بعد ما عرفه الموقف الرسمي التركي من احتشام وتأخر بعد السابع من أكتوبر، أثار تصعيد اللهجة في خطاب أردوغان أمام الكتلة البرلمانية لحزبه يوم 25 أكتوبر/ تشرين الأول وأمام الجماهير في "تجمع فلسطين الكبير" يوم 28 أكتوبر/ تشرين الأول، جملة من التفاعلات والتساؤلات. وحتى نفهم الموقف التركي، في أسباب تأخره والآفاق الموضوعية لتطوره، من المهم أن نفهم السياقات في مرتكزاتها الاستراتيجية وأطرها النظرية. 

كما لا يجب أن نغفل أن تركيا ليست استثناء بين دول المنطقة، من حيث منسوب الصدمة ووقع المفاجأة على صناع القرار فيها. لقد بعثر السابع من أكتوبر كل الترتيبات والأوراق ووضع الجميع خلفه، ولعل أنقرة من أكثر المعنيين بذلك في الشرق الأوسط.

إذ بذلت هذه الأخيرة جهودا حقيقية لإعادة علاقاتها مع إسرائيل خلال ال 3 السنوات الأخيرة، محاولة طي المرحلة الأكثر تذبذبا وتوترا في تاريخ العلاقات بينهما (2009- 2020) منذ انطلاقها لأول مرة سنة 1949. 

 وتنبع الأهمية الاستراتيجية لهذا التوجه من العوامل التالية:
1.طي صفحة الربيع العربي (العالم السني):

في ظل تشابك العلاقات الاقليمية، مثلت العلاقات مع إسرائيل شرطا ضروريا في اعادة ترتيب تركيا لعلاقاتها مع أنظمة الثورة المضادة في المنطقة، وعلى رأسها الإمارات ومصر ومن ثمة السعودية. وقد مثل إنهاء صراع المحاور وحروب الوكالة الصلبة والناعمة في ساحات الربيع العربي، أولوية اقتصادية وجيوسياسية دخلتها أنقرة تحت عنوان "زيادة عدد الأصدقاء والتقليل من الأعداء".

2.التحالف بين تركيا وأذربيجان (العالم التركي):

كما مثلت إسرائيل عنصرا مفتاحيا في حربي كاراباخ الثانية سنة 2020 والثالثة في سبتمبر 2023، وفي ارتقاء التعاون بين تركيا وأذربيجان إلى مستويات استراتيجية. هنا يمكن الوقوف على جملة من المكاسب الجيوسياسية التي تسعى أنقرة خلفها: 

  • التقاء الديموغرافية التركمانية-البشتونية على جغرافيا متصلة من اسطنبول الى اسلام آباد، تمهيدا لمشروع "الممر الأوسط".
  •  الالتفاف على إيران شمالا، وتغذية المشاعر القومية لدى الأقلية الأذرية (حوالي 25%) داخلها. 
  • التقدم في المجال الحيوي الروسي والاتصال بشعوب القوقاز المسلمة (الشيشان، داغستان).
  • الترابط الجغرافي لدول العالم التركي (كازاخستان، أوزبكستان، قيرغيزستان، تركمانستان، أذربيجان، تركيا). 
  • تعزيز مكانة تركيا كمركز طاقي بين أوروبا من ناحية وآسيا الوسطى وبحر قزوين من ناحية أخرى.
3.صراع شرق المتوسط (الوطن الأزرق):

تمثل إسرائيل فاعلا رئيسيا في ملف شرق المتوسط والتنافس على مصادر الطاقة فيه. وهنا تسعى تركيا وراء جملة من الأهداف الاستراتيجية التي تبلورت ضمن نظرية "الوطن الأزرق" (Mavi Vatan):

  • الأمن الطاقي. 
  • مركز للطاقة بين شرق المتوسط وأوروبا.
  • الاتصال البحري بالعرب السّنة والقارة الأفريقية والممرات المائية.
  • محاولة تفكيك التعاون بين دول منظمة غاز شرق المتوسط ضدها.
  • استعادة مكانة تركيا كقوة بحرية، قادرة على تثبيت خطوط دفاع متقدمة.
  • الاستفادة من اللوبي الصهيوني في أمريكا لمواجهة اللوبيات اليونانية والأرمنية.
4.الساحة السورية:

رغم اختلاف الأجندات والأولويات فإن كلا الدولتين فاعل في الساحة السورية، وبذلك يصبح التنسيق بينهما هدفا مشتركا، خاصة مع وجود إيران كمنافس مشترك.

5.التعاون الاقتصادي:

مثل الاقتصاد بوابة رئيسية لعودة المباحثات الفنية والسياسية، إذ تمثل إسرائيل شريكا مهما لتركيا في مجالات: الطاقة، الصناعة، التجارة والسياحة. وبالرغم من تذبذب العلاقات السياسية، فقد تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين، في 10 سنوات الأخيرة، ليصل إلى 10 مليار دولار في آخر التقديرات. كما تمثل إسرائيل تاسع أكبر سوق للصادرات التركية في العالم. وبذلك أسهمت الأزمة المالية والمصاعب الاقتصادية التي مرت بها تركيا في السنوات الأخيرة، بدفعها أكثر نحو إسرائيل. 

وبذلك فلم يكن من السهل على أنقرة إلقاء كل هذه الحسابات جانبا في فجر السابع من أكتوبر، ومن الصعب توقع ذلك مستقبلا. خاصة لما سيكون لتموقع أنقرة حيال القضية الفلسطينية من أثر عميق على موقعها ضمن منظومة الناتو وعلاقاتها مع أمريكا والاتحاد الأوروبي. 

من ناحية أخرى، فإن هناك جملة من العوامل الضاغطة، التي لا تسمح لأردوغان بالبقاء في تموقع خافة أو محتشم:

 

  1. رهان استعادة البلديات الكبرى في إسطنبول وأنقرة: لقد سجلت الأحزاب الاسلامية والديموقراطية-المحافظة نقاطا انتخابية كثيرة على حزب الرئيس، من خلال رفع سقف خطاباتها ومواقفها وتكثيف تحركاتها. وسيكون لذلك حساباته في الانتخابات البلدية بعد أشهر فقط.
  2. الرأي العام وشبكات الضغط داخل تركيا: كما أن الحراك الجماهيري والاتصالات النخبوية، يجعلان أردوغان يسعى إلى حدّ أدنى من استيعاب شعبه والوفاء بمسؤولياته اتجاه حلفائه من الفواعل الغير رسمية في المنطقة (الحركات الإسلامية).
  3. المظاهرات الشعبية لجغرافيا وديموغرافيا الإسلام: راكمت تركيا العدالة والتنمية رصيدا معنويا وأخلاقيا لدى الشعوب الإسلامية، ولا يمكنها التضحية بكل ذلك فجأة. خاصة بعد ما استنزفت نصيبا منه أثناء التوافقات الأخيرة في المنطقة. 
  4. العمق الاستراتيجي ومكانة تركيا على الساحة الدولية: الجمهورية التركية أمام فرصة لتثبيت أدوارها الإقليمية ومكانتها الدولية ك "صانع للسلم والاستقرار" في الشرق الأوسط الكبير وشريك في النظام العالمي الجديد (العالم أكبر من خمسة-"Dünya 5'ten büyüktür"). وهي كذلك أمام تحدي المحافظة على نفوذها ومصالحها والموازنة بينها فيما تسميه أدبياتها ب "الحدائق الخلفية: حوض تجميع القوة الإستراتيجية". وهي النظرية التي اختار من خلالها داوود أوغلو استيعاب كل من الميراث العثماني (العالم الإسلامي السني) وسياسات حزب "الاتحاد والترقي" (عالم العرق التركي).

لذلك فمن المرجح أن تواصل تركيا تصعيدا خطابيّا متدرّجا في إطار سياسة التحوط والتوازن الحذر، ويمكن رصد ذلك في المساحة الواضحة بين الخطاب السياسي لأردوغان وتصريحات وزير خارجيته هاكان فيدان في نفس اليوم، التي كانت أكثر هدوء وأقرب الى تقديرات الجهاز البيروقراطي للدولة. وستكون تركيا حريصة على عدم التحرك بعيدا عن السياسات العربية وما يمكن أن تنتجه من أطر سياسية أو آليات عمل إقليمية، لكنها ستحرص كذلك على عدم خسارة أدوارها المركزية ضمن دبلوماسية الوساطة. كما فجّر انتشار البوارج وحاملات الطائرات الأمريكية والبريطانية في شرق المتوسط، اضافة الى امكانية انفجار الصراع بين وكلاء إيران في سوريا/ العراق والقوات الأمريكية، صداعا استراتيجيا لدى الأتراك على أكثر من جبهة في مجالهم الحيوي، مما يجعل من تفاعلهم العسكري مع المجريات سيناريو محتملا -وليس مجرد خطاب إنشائي- في صورة اتساع الصراع.

 لا شك أن صانع القرار التركي يسعى إلى مقاربة كل ماحدث ويحدث منذ السابع من أكتوبر، ضمن رؤيته ل " القرن التركي"، خاصة وهم يستعدون، لإحياء المئوية الأولى لدولتهم الوطنية (Nation-State) في 29 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. كما لا شك كذلك أن لتركيا استخلاصاتها من السياسات الاندفاعية و "الدبلوماسية الخشنة" التي اتخذتها حيال الثورات العربية أو التنافس البحري سابقا. كما من المؤكد أيضا أن العقل المؤسساتي ستكون له كلمة وازنة في عملية صناعة القرار والخيارات الاستراتيجية حيال انعطافة تاريخية بحجم ما وقع في فجر السابع من أكتوبر.