إنّ الـمتأمل في المجتمعات عبر العصور، يرى تواجدا كبيرا، وانتشارا واسعا للمنظمات التطوعية في شكلها التقليدي أو في شكلها الحديث؛ كنوادي أو جمعيات أو مراكز أو مؤسسات أو هيئات، ويلْحَظُ دورها المهم في التطور الاجتماعي والاقتصادي في مجال تدعيم التنمية والمساهمة في النهضة الحضارية الشاملة، ويشهد ويسجل ممارساتها الناجحة أو الفاشلة، حتى أصبحت هذه المنظمات اليوم تشارك فعليا في برامج وخطط التنمية بل وتتعدى إلى الاستنجاد بها أو استغلالها في القضايا والمصالح الدولية والايديولوجية، وفي تحقيق بعض الأهداف إلى جانب الدولة والقطاع الخاص. 

      قد أصبح من المتاح للمنظمات التطوعية في عالمنا العربي، العمل على كافة المستويات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والدخول كشـريك هام وفعلي في عمليات البناء والتطوير المجتمعي، وبدأت تعمل في مختلف الأنشطة الحيوية التي تهم أفراد المجتمع.

      ورغم ما تقدمه هذه المنظمات من أعمال وتنوع في أنشطتها، إلا أنّ الدراسة الوصفية من خلال البحث والقراءة والمتابعة التي قمت بها أظهرت أنّ كثيرا من المنظمات التطوعية تعاني  من مشكلات عديدة تتعلق بالبناء المؤسسـي –على بعض الفروقات بين الدول العربية- وتكويناته المختلفة، وتذبذبات في الممارسات السلوكية كوحدة واحدة أو تلك التي تظهر كتصـرفات فردية لقادتها، بالإضافة إلى تبني البناء المؤسسـي التقليدي الذي لا يواكب التطورات والمتغيرات البيئية ولا يطبق الأساليب الإدارية الحديثة. الأمر الذي يؤدي إلى ضعف الخدمات التي تقدمها للمستفيدين منها وبالتالي يؤثر على بقائها واستمرارها ونموها.

       واستجابة لذلك، سنحاول في هذه السلسلة من المقالات التي ستكون عبارة عن أجزاء متتابعة، كل جزء منها يسلط الضوء على موضوع معين وفق ترتيب تجانسـي مبني على بحث علمي كان قد قام به الباحث قبل سنة، تناول فيه عديدا من الموضوعات الخاصة بالعمل التطوعي المؤسسـي، بهدف المساهمة في رسم ملامح إدارية فعالة لإدارة المنظمات التطوعية، والتي ستمكن المهتمين ببناء منظمات تطوعية فاعلة أو تصحيح لتلك الناشطة ميدانيا، بغرض تطوير رأس المال الفكري بها والاهتمام بالمتطوعين أكثر لأنه يعتبر المورد الأبرز في العمل التطوعي المؤسسـي الحديث وفقا لأساليب إدارية حديثة ومهارات قيادية تتماشى وخصوصيات التطوع، والانتقال بها من الحصول على الدعم المادي التقليدي إلى التفكير في الدعم الذاتي الاستثماري.

     ذلك لأنّ كثيرا من المنظمات التطوعية المتميزة استطاعت أن تنتقل إلى مستوى أعلى من الفعالية والفاعلية من خلال برامج مدروسة ومناهج جيدة وخطط محكمة لتحسين وبناء قدراتها –البشـرية والمادية والعلاقاتية– ورسم الهياكل والنظم والاستراتيجيات بهدف الارتقاء بقدراتها ليتحقق ما يتناسب مع رسالتها وطموحها خدمة لمجتمعاتها.  

     ومن المؤكد أنّ هذه السلسلة من المقالات ستوفر للقارئ الكريم، ذلك الكم المعرفي الناتج عن أبحاث ودراسات عربية وأجنبية، ستتم صياغته في قالب علمي وعملي، من أجل تنوير درب السائرين على خطى العمل التطوعي. وتأتي هذه المقالات بعنوان "التَّطَوُع الـمُؤَسَّسِي" لتكون إسهاما في هذه المهمة الحضارية الراقية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن عمران.