هل الدين عائق بين البشر؟

ننظر إلى بلاد الإسلام فنجد في بعضها احتقانات كبرى بين الطوائف، وبين المختلفين في كل طائفة على حدا، وبين أهل الأديان، وتنتشر أسئلة من جنس هل نسلم على الآخر؟ هل نهاديه؟ هل نعايده؟ هل نشتري منه؟ هل نبيع عليه؟ هل نمنحه مكانا لعبادته؟ هل...هل؟ وفي كل الأحوال تستدعى الآيات والفتاوى! إن حل تلك الإشكاليات لا يتم باستدعاء النصوص المجزئة من التاريخ أو من السنة أو من القرآن، بل بفهم النسق الحاكم لكل تلك الاستدعاءات.

 

نسق تدفق قيم العيش المشترك

لو أردنا أن ننظر لتلك القيم في شكل نسقي لأمكننا تقسيمها لأربع مساحات:  قيم العمق، وقيم التساكن والعيش المشترك، وقيم الدعوة والتواصل، وقيم الحرب، فعلى قيم العمق تقوم قيم التساكن والعيش المشترك وعلى قيم التساكن وقيم العمق تقوم قضية التواصل والدعوة بين البشر، فان إختلت قيم التساكن والتواصل ونشبت الحروب، وأصبح الناس باحثين عن قيم العمق لإرساء استقرار جديد، وعيش مشترك جديد وتواصل جديد

وهذا ما سنشرحه في السطور التالية: 

تريد الدول اليوم مواجهة ظاهرة التطرف، وتريد وقف أولئك الشباب الذين تطلق عليهم "المغرر بهم" والذين ينضمون لمسارات العنف من سلوك تلك الطرق الوعرة، وهي لا تنتبه أن وراء أولئك الشباب ملايين يحملون ذات الأفكار بصيغ مختلفة، لقد حدثني أخ عزيز له ابن في الصف الثالث إعدادي عن تجربته مع ابنه حين طلبت منه زوجته أن يدرسه مادة علم الاجتماع، يقول وجدت الموضوع وعنوانه عصر التنوير في الغرب يتحدث عن كيف تقدمت أوروبا، يقول " قلت ها نحن سنعطي الشباب درسا في شروط التقدم!" قال فوجدت الموضوع يبدأ بما أنجزه الغرب في سطور قليلة، لينتقل إلى كيفية استعمارهم للعالم الإسلامي، ويفصل في بشاعة الاستعمار، ثم يركز على أنهم سبب تخلفنا وأنهم هم المانع من تقدمنا، وأنه لا سبيل لنا للتقدم في وجودهم، يقول قال ابني أنا مقهور وغاضب وأتبع  صدق قول مدرس الشرعية لا حل إلا بالجهاد، المسلمون مطلوب منهم الجهاد، قال الأب شعرت بالأزمة الحقيقية، لقد ملأنا الشباب حماسا وعداءً لمن ظلمنا، ولم نمنحهم مخرجا من تلك الأزمة، فما أسهل تجنيدهم بعد أن تم إعطاءهم المقدمات، نحن نعد المشهد للكارثة، ثم نسأل من الذي أحدثها؟

إن وجود تجارب الأمم التي خرجت من الاستعمار إلى الاستقلال ومنه للتنمية، لتصبح منافسا لمستعمريها، ولكنّا لا نشير لتلك الطرق الممكنة ونضع الشباب أمام نفق مغلق ثم نتساءل لماذا يتطرفون؟

 

إن المعلومات والمعارف لبنات تفكير، والمناهج هي طرق الاستفادة من تلك اللبنات، فإن أخطأنا في اختيار اللبنات (المعلومات) أو في طرق التدقيق فيها، أو في تفسيرها، ووصفها (المناهج)، فإن البناء ينهار، لكن بناءنا تهدم أو يوشك أن ينهار، وما زلنا نسير في ذات الطرق المسدودة؛ فلا دققنا في اللبنات ولا قومنا المناهج، فأين المخرج؟

 

إن الفرق بين ما نفهمه عن الإسلام وما نمارسه في حياتنا فرق شاسع، فبين من يدعوا لقتال كل البشرية ومن يفكر بفقه القرون الوسطى في صناعة الدولة، و بين من يقتل أقرب الناس إليه بحجة الجهاد، وقتال العدو القريب، وبين فهم الإسلام فرق كبير. فمن دون ردمها تضيع معالم الإسلام، وتختفي فكرة الرحمة، بعد أن قرر البعض أن كل آياتها منسوخة بآية السيف، والتي لا يعرف ما هي على وجه الدقة، فالمهم أنه لا رحمة في القرآن بحسب هؤلاء، ولم يبق منه إلا السيف وضرب الرقاب والبدء من العدو القريب وهو المسلم.

 

 بين الدين الذي جاء به خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم الذي يَقبل من المرء الشهادتين، وبين ظاهر أعمال الإسلام، واشتراطات كتب العقائد قديمها وحديثها، هناك فارق فكرة الإيمان عن فكرة العقيدة.

 فوظيفة الإيمان تكمن في إدخال الناس في رحمة الله، أما وظيفة بعض كتب العقائد هو إخراج الناس بمختلف الحجج من دين الله، هكذا تمزقت الأمة شيعا وتقاتلت وسفكت دماء بعضها البعض، وهي تعتقد أنها تحمي الدين بذلك. فولدت ما هو أسوء، أسوار عالية بين المؤمنين، ناهيك عن غير المؤمنين، ويبقى السؤال ما هو شكل البناء الذي يرسمه القرآن للمجتمع البشري ولماذا أطلقنا عليه نسقا؟

يمكن القول أن النسق هو "كل" تتفاعل أجزاءه ويدعم بعضها بعضا؛ ليقوم بوظيفة معينة واختلال أي جزء منه يؤثر على بقية الأجزاء، فهو "كل" متكامل له مدخلات، وله عمليات وله مخرجات، وله نظام تَحَكُم يسمح له بالتعديل والضبط.

 

إن نسقنا الاجتماعي في القرآن له مدخلاته، وهي احتياجات البشر في العدل، والحرية، والكرامة، وعملياته هي  تفاعلات الأفكار الكبرى وترابييتها في المجتمع المسلم، ومخرجاته هي قرارات يتولد عنها عمران الحياة، واتساعها، ونظام التحكم فيه هو رضا المجتمع عن درجة تحقق الرحمة بالعيش فيه. وأجزاء النسق ومقولاته تكمل بعضها البعض، ولا تتناقض وتشكل كُلاً، وهي بهذا تسمى" نسقا"، والنسق أو نظام العيش المشترك بين البشر، وهو مرادنا من كل ما سبق. 

 

فعدم رؤية النسق أو اكتشافه يعني حدوث انفصام في الشخصية الاجتماعية، بين دعاوى القيم من ناحية وبين ممارسات الواقع من ناحية أخرى، أما القيم في سياق حديثنا فهي معايير حاكمة نحدد بها ما هو خير وما هو شر، ليس على المستوى الفردي وان كان مهما، ولكن كيف نحدد بها وجهة المجتمع كوحدة واحدة وما يحكم سلوكه وقراراته واختياراته، وكلما تعقد تطور المجتمع ازدادت الحاجة للنظر النسقي.

النظر للنسق القيمي يعني فهم مشروع الدين في حياة الإنسان وعلاقة الأجزاء ببعضها ونسبة كل منها لغيرها، وحجم كل منها داخل النسق وهو ضابط كبير لإشكال النظر الشرعي وضابط كبير للتصور العام للدين.

 

ونظام العيش المشترك يتكون من أربعة أسئلة:

1- ما هي التصورات الحاكمة للنسق في العمق عن الإنسان والحياة؟

2- ما هي مبادئ العيش المشترك بين البشر التي تعكس قيم العمق في النسق؟

3- ما هي قواعد التواصل والدعوة بين البشر المختلفين في داخل النسق؟

4- ما هي ضوابط الحرب إن قامت وكيف ترجع المجتمعات للسلام؟