قاعاتُ محاضرات وحرم جامعي وخيالٌ جميل، تلك أسمى أمنيات الممتحَن لنيل شهادة الثانوية العامّة، يبدأ تحقق الأمنية بمعاناة اختيار التخصص، ثمّ تنتهي بضياع سنين عجاف! فما إن يتخرج الطالب حتى يبدأ من جديد في رحلة البحث عن عمل، ليدخل معركة الانتظار في صفوف مكدسة من خريجي الجامعات والمعاهد، كأنّ البوصلة مفقودة وتحتاج إلى رجل رشيد يبحث عنها ويسدد خطى الطلبة نحو مستقبل أفضل، بدل السعي نحو المجهول!

يمكنني القول أنّ دخول الجامعة هو أكبر خطأ يقع فيه الطالب، وهذا من تجربتي الشخصية، فالتخصص الجيد والذي يوفر مناصب الشغل في المستقبل ليس هو الحل الذي يأمله الشاب الطموح الراغب في دق باب الثراء ودخول عالم المال والأعمال. الوظيفة في الأخير هي قيد وسجن إن صح التعبير، فيجد الطالب نفسه في الأخير قد ضيع سنوات في دراسة تخصص لم يصل به إلى هدفه ووجهته المنشودة وكان بإمكانه الوصول إليها من دخول ذلك الصرح العظيم أصلا.

 

في الجامعة نقضي كثيرا من السنوات، ما بين حفظ ونسخ وتكرار، ولا يتحمس دكتور الجامعة بحديثه سوى عن سفره إلى فرنسا وتركيا، وعن سنواته الماضية، ولا يقبل وجهة نظر تختلف عن توجهه، نعمل فقط على الحصول على درجات عالية لا أكثر، فتقوم الامتحانات على اختبار الذاكرة فقط بالتقييم والمفاضلة بين الطلاب، لا على الطالب الأكثر بحثا، ولا على تقييم المهارة والطريقة لأنّ الجامعة لم تلقنا المهارة ولم تنمي روح الإبداع فينا أصلا!

 

لم يجد الطالب النصيحة التي تؤنسه لا في الجامعة ولا خارجها فالعقول صفدت في مشهد درامي ليس عنا بالغريب، فطالب اليوم بات مترنحا بين طريقين اثنين لا ثالث لهما محتار أيهما يختار، بين دخول الجامعة من أجل طلب العلم أم من أجل الشهادة للحصول على وظيفة يحصل من خلالها على مال وأجر يكسب به قوت عيشه.

 

في ظل هذا الاختلال في التوازن لا بد من أن يُوضح أصحاب الفكر والوعي السامي للطالب جميع الأمور حتى يحدد الطريق التي تقوده إلى مستقبل أفضل، فإن هي الرؤية اتضحت واصل بكل جدية.

 

سأحاول في هذا الشرح البسيط توضيح بعض الأمور للطالب سواء كان من رواد  الجامعة من أجل طلب العلم أم من أجل الوظيفة.

 

أخي الطالب، إن كنت تبحث عن الشهادة الجامعية من أجل التوظيف فيرجى التريث والتمعن في الأمر جيدا، فقد ذكر الكاتب الأمريكي روبرتي كيوساكي في كتابه: "لماذا يعمل الطلاب الممتازون لدى الطلاب المتوسطين، ويعمل الطلاب الجيدون لدى الحكومة"، معادلة توضح أن الجامعات لا تستحق هذا العناء من أجل شهادة تؤهل لوظيفة وأنّ الشاب الأمريكي عليه أن يعمل سنوات عديدة لكي يسدد فاتورة الجامعة وحدها.

 

ولو ذهبنا بالأمر أبعد من هذا كله، واعتبرنا الجامعة استثمارا تجاريا بحيث نثمن وقتنا وجهدنا والمال الذي ننفق فيه، فهي تجارة فاشلة بمقياسها التجاري، وأنا بدوري لن أدخل في تجارة فاشلة والسؤال هو: هل هناك فرق يستحق العناء بين الإيرادات والمصروفات بخصوص الجامعات؟ بمعنى آخر هل ما نبذله من جهد ووقت ومال وتضحيات في سبيل الجامعة أقل مما نحصل منها بعد تخرجنا؟ وكم من السنوات نحتاج إليها لكي نعوض تلك المصروفات؟ أنا هنا أتكلم عن الذين يحصلون على الوظائف، أما هذا الذي لا يجد وظيفة أو يعمل في مجال غير الذي تخصص فيه فهذا مثخن بالفشل وإنها لمصيبة كبرى.

 

لأخبرك يا أخي بما هو أهم من ذلك كله؟ إن كنت يا عزيزي الشاب تطمع في أن تكون ثريا يوما ما فلا تقترب من الجامعة، ولا تقترب من الوظيفة أصلا، وإنما أنت بحاجة إلى فلسفة ابن عوف "دلني على السوق" فلا يوجد على البساط رجل بلغ الثراء من خلال الوظيفة، فلما تشتت نفسك؟

 

أما أخي الطالب إن كنت من الفئة التي تبحث عن طلب العلم في أروقة الجامعات فعليك أن تسأل نفسك مستخدما أدوات الاستفهام: ماذا؟ وكيف؟ ومتى؟

 

اسأل نفسك صديقي ماذا تدرس من خلال كليتك، هل هو المحتوى الذي تطمح إليه فعلا؟ هل تقبل بالمنهج الذي وضع ليكون رفيقك لسنوات الدراسة؟ واسأل نفسك عن الكيفية والطريقة التي تدرس بها، وأدوات الشرح وأسلوبه، هل هي مناسبة لك شخصيا؟

 

واسأل نفسك هل الزمن الذي تدرس فيه مناسب لك؟ وهل الوقت كاف لك أم أنك تحتاج إلى المزيد؟ هل تفضله أم أنت ملزم بوقت خاص بك؟

 

يأتي أحد بعد مطالعته هذا المقال فيسألني، فهمت من قولك أنه لسنا بحاجة إلى الجامعات، بربك من أين ستحصل على طبيب يعالجك؟

 

وهذا سؤال وجيه وهو بيت القصيد، أقول له ولكم أحبائي، أنّ بعض ما يدرس في الجامعات نتاج أشخاص لم يلتحقوا بجامعات، وواضعوا أسس كل هذه العلوم أناس تفرغوا لما رغبوا في تحصيله سواء في الطب أو في الهندسة، في زمن كان تكلفة الحصول على معلومة قطع أميال في الصحراء وركوب أمواج واليوم أين توفرت كل السبل وتعددت الوسائل وتمكن الناس من التواصل مع بعضهم أينما شاؤوا  وكيفما شاؤوا، ونحن اليوم نلتحق بالجامعة لنتخصص في أمر يراه البعض علما غزيرا ويراه البعض الآخر طريقا للتوظيف، هناك في الحقيقة خطأ ما لكن لا نريد اكتشاف أسبابه.

 

الحقيقة هي أنّ المدرسة الحقيقية تتمثل في الميدان، والعلم الغزير لا يوجد في الجامعة فقط!!

 

إنّ الجامعة اليوم قيدت الكثير من الأفكار وسلبت الحرية من العديد تحت غطاء العلم والمعلومة وجعلت أكثر هدف  للطلبة هي نتائج الامتحانات وأبعد السبل شهادة التخرج وأتعس المآل طابور الوظيفة الذي يطول من مؤسسة لأخرى.

 

منذ أربع سنوات من دخولي للجامعة لم أتلق هذه الأفكار يوما وإنما الفكرة الوحيدة التي سوقت لنا منذ عقود ولا زالت "أطلب العلم لتصبح إطارا" لكن لم يعلمونا بأنّ عالم المال والأعمال يحتاج إلى تحرير الأفكار من قيود سياسة تسيير الجامعة.

 

إن كنت تتفق معي في أنّ الجامعة ليست هي الحل الوحيد أطلق العنان لأفكارك وحاول تأسيس مشاريعك الخاصة فالأمة تحتاجنا طبعا، انطلق في رحلة البحث عن البديل الأنسب!

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن عمران.