المدونات

أقدم وصية إلهية في تاريخ البشرية

فريق عمران 9 مايو 2021 4 دقائق قراءة 191 مشاهدة

إن أهم إيحاءات قصة آدم -عليه السلام- هي القيمة الكبرى التي يعطيها التصور الإسلامي الرباني الذي يرسمه الله للإنسان حتى يسير على هداه في رحلة الأرض، والذي يتضح في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [البقرة:38-39]؛

إنها كانت هذه وصية الله تعالى لآدم وزوجه حين أخرجهما من الجنة وأهبطهما إلى الأرض، وقد جاء في سورة طه قوله عز وجل: ﴿قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ﴾ [طه: 123]. 

لقد أعلنت الخصومة في الملأ الأعلى بين آدم وذريته وبين إبليس وقبيله وشاءت رحمة الله بعباده أن يرسل إليهم رسله بالهدى قبل أن يأخذهم بما كسبت أيديهم.

 وقد قال تعالى: ﴿قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ، وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَة ضَنكا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرا، قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ، وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِ‍َٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ ﴾ [طه:123-127].

كانت هذه وصية الله لأبوي البشر حين أهبطهما إلى الأرض، فهي من أقدم الوصايا لذلك كانت خليقة بأن تكون سنة كونية لا يتخلف مدلولها عن أحد من خلقه في أي حال من الأحوال، والقرآن الكريم مليء بالسنن الكونية التي لا تتبدل ولا تتحول، قال تعالى: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلاۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحۡوِيلًا﴾ [فاطر: 43]. 

هذه السنن ماضية، فمن اِتّبع هدى الله وآمن برسله وكتبه واهتدى بهم وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب والامتثال للأمر والاجتناب للنهي، فقد اهتدى وأفلح، قال تعالى: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ [البقرة: 38]، 

وقال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ﴾ [طه: 123].   

لقد ترتب على اتباع هذه السنة أربعة أشياء: نفي الخوف والحزن والضلال والشقاء. 

وبالنسبة لنفي الخوف والحزن فإن الفرق بينهما: أن المكروه إن كان قد مضى أحدث الحزن، وإن كان منتظراً أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه وإذا انتفيا ثبت ضدهما وهو الهدى والسعادة فمن اتبع هداه حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى وانتفى عنه كل مكروه، من الخوف والحزن والضلال والشقاء، فحصل له المرغوب واندفع عنه المرهوب. 

إن الهُدى بالأنبياء والرسل وما يبلغونه عن الله ويبينوه للناس يجعل اتباعهم سعادة ومخالفتهم شقاء، قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَة ضَنكا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَى﴾ [طه:124].

الصراع بين الحق والباطل

إن الناس في موقفهم من هدى الله فريقان:

 المؤمنون الصالحون، الذين اتبعوا هدى الله، وصدّقوا رسله، واستقاموا على طاعة الله، فهؤلاء سعداء في الدنيا لا يضل أحدهم ولا يشقى وهم في أمان الله لايخافون ولا يحزنون. قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ﴾ [طه:123]. ﴿قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُون﴾ [البقرة:38].

الكافرون المكذبون بآيات الله الذين أعرضوا عن ذكر الله ورفضوا هداه، وحاربوا رسله واتبعوا الشيطان، هؤلاء خاسرون هالكون، وفي الآخرة معذبون بالنار وهم الذين قال الله تعالى عنهم: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَة ضَنكا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ [طه:124]. وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [البقرة:39]؛ فالذين يقودون المؤمنين المهتدين هم الأنبياء والرسل ثم أتباع الرسل من العلماء والدعاة، بينما يقود الكافرين المكذبين إبليس وأعوانه من مردة الشياطين الإنس والجن.

إن هذا الأمر يؤكد حقيقة مطردة، وهي الصراع بين الحق والباطل، والمواجهة بين الخير والشر، هذا الصراع الذي بدأ منذ المشاهد الأولى من قصة آدم التي حدثت في الجنة، عندما رفض إبليس السجود لآدم، ثم زيَّن له الأكل من الشجرة وقد كان آدم أبو البشر يمثل جانب الحق، وكان إبليس يمثل جانب الباطل.

وسيبقى الصراع بين الحق والباطل قوياً محتداً مستمراً حتى قيام الساعة، وسيبقى الناس منقسمين في هذا الصراع إلى قسمين: أصحاب الحق وأصحاب الباطل.

وأصحاب الحق هم حزب الله الذين قال الله عنهم: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡما يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوح مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰت تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾[المجادلة:22].

وأصحاب الباطل هم حزب الشيطان الذين قال الله عنهم: ﴿ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [المجادلة:19].

والسعيد الموفق هو الذي يأخذ هدى الله ويتبعه، وينحاز إلى الحق ويكون من حزب الله من المفلحين، والخاسر الهالك هو الذي يرفض هدى الله ويكفر بالحق، وينحاز إلى حزب الشيطان من الخاسرين.

الوسوم

الخير الشر الحق الباطل السعادة الصراع السنن الكونية
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد
الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم المدونات

14 فبراير 2026

الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم

بصرف النظر عن كون تدوين الحديث الأخير كان فرصة للتدرج العلمي نحو وضع أسس علم التاريخ النقدي عندما تغيب الآثار الكتابية والمادية لأحداثه، فلا يبقَ إلا حديثه في الذاكرة أو اختلاط بعض الوثائق المكتوبة والمذكورة في التقاليد الشعبية.

اقرأ المزيد
عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة المدونات

4 فبراير 2026

عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة

معركة الطوفان الأقصى من المحطات المفصلية في التاريخ المعاصر، وربما لا أبالغ إن قلت، وكما قال غيري من المحللين والدارسين والباحثين، أنها أهم معركة خاضها المسلمون في المائتي سنة الأخيرة. إذ لم تأتِ معركة بهذا الحجم وبهذه الآثار والانعكاسات على العالم كله فكرًا ووعيًا وسلوكًا، وغيرت كثيرًا من المعطيات الدارجة التي كانت موجودة في العالم قبل هذه المعركة.

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.