المدونات

الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم

أبو يعرب المرزوقي 14 فبراير 2026 3 دقائق قراءة 120 مشاهدة

بصرف النظر عن كون تدوين الحديث الأخير كان فرصة للتدرج العلمي نحو وضع أسس علم التاريخ النقدي عندما تغيب الآثار الكتابية والمادية لأحداثه، فلا يبقَ إلا حديثه في الذاكرة أو اختلاط بعض الوثائق المكتوبة والمذكورة في التقاليد الشعبية.

بصرف النظر عن كون تدوين الحديث الأخير كان فرصة للتدرج العلمي نحو وضع أسس علم التاريخ النقدي عندما تغيب الآثار الكتابية والمادية لأحداثه، فلا يبقَ إلا حديثه في الذاكرة أو اختلاط بعض الوثائق المكتوبة والمذكورة في التقاليد الشعبية.

وحتى لو اكتفينا بهذه الثمرة لكان ذلك فضلًا لا يُقدَّر، لما فيه من ضمانة مؤيدة لما كان يدور من حوار بين المبلِّغ والمستمعين إليه ممن انضموا إلى الرسالة الخاتمة في الأرض العربية أولًا، وفي العالم الذي صار بالتدريج، وبفضل الحديث المذكر بالأجواء التي توالت في حياة الرسول خلال تعليمه القرآن بمقتضى الآية التي حددت طبيعة التبليغ وأهدافه: الإسراء 5 و6: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرًا ونذيرًا * وقرآنًا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا}.

سبق أن شرحت هاتين الآيتين لأنني جعلتهما شعار محاولتي تفسير القرآن برد بنيته العميقة إلى هاتين الآيتين الكافيتين لتفسيره بذاته، واستحالة فصله عن الحديث الذي يلازمه، لأنه هو عين هذه القراءة على الناس على مكث.

إذ تطلب ذلك 23 سنة هي مدة هذه القراءة التي تنقسم إلى القراءة على مكث لتكوين الإنسان (المكي)، والعمل على مكث لتكوين دولته (المدني). فتكوين تنجيم القرآن عين هذا التعليم وعين مضمون حديث القراءة (القراءة على مكث)، وحديث المقروء (تنجيم القرآن).

ولما كان كل تعليم بحاجة إلى التكرار، كما تغير المخاطب- حتى لو كان إيقاظًا من الغفلة عما هو مرسوم في خلقة الإنسان ومن ثم فهو تذكير للمنسي منه- فإنه قد تتغير صيغ عرضه بحسب تنوع السامعين أولًا، ومناسبة انتخاب ما يتم التذكير به من نجوم القرآن ثانيًا.

فإن الأحاديث التي دارت خلال 23 سنة، وتعدد مناسبات التذكير، فلا عجب أن يكثر الحديث المذكر (قراءة الرسول) والحديث المذكر به (نجوم القرآن). لا عجب أن تكون بالكثرة التي يعجب منها سفهاء النقاد الذين يزعمون البخاري كاذبًا فيما تكلم عليه خاصة، وهم ينسون أنه لم يبق منه إلا ما ثبت لديه بالمنهج المتشدد في الفرز.

والسفهاء الذين يجادلون في الحديث نوعان، وكلاهما يتألف من متحذلقين يزعمون إما تنزيه القرآن بالمقابلة بين الكوني والخصوصي، جاعلين منه ما يظنونه كونيًا، وليس منه ما يظنونه خاصًا بالعرب وظرفيتهم التاريخية.

1- فالأول يتألف من القرآنيين، يدعون تنزيه الرسالة مما ينسبه الحديث إلى القرآن من الأحكام التي لا توافق ما يتصورونها حقيقة خُلقية معيارها السرديات الغربية لأنهم يطلبونها من الإسلام.

2- والثاني يتألف من العلمانيين، يدعون الفصل بين الديني والسياسي، فيظنون أن ذلك سببه تحريف الرسالة بالخلط بين الديني والسياسي. وبهذا المعنى فإن موقفهم لا يكتفي بالتخلص من القرآن المدني، بل هم يتهمون الرسول بكونه أول من حرف القرآن لأنه خلط بينهما، فكوَّن دولة، وحكم، وحارب، وفتح البلدان.

وكلام الثانيين هذا، إذا صح، فلا بد من تكفير الرسول والتشكيك في أمانته، لأنه زيَّف الرسالة بالخلط بين السياسي والديني، ومن ثم فلا بد من التخلص ليس من الحديث وحده، بل وكذلك من القرآن المدني، وذلك لأنهم ظنوا أن القيم التي يفرضها الغرب "عقلانية" وأصدق من القيم التي تمثلها أحكام القرآن.

وكلام الأولين تتبين حقيقته وعلة وجوده، وهو الهدف الأساسي من الموقفين، أي العلمنة أو التطبيق الحرفي للعلمانية اليعقوبية التي جعلت حربها على الكنسية وفسادها قانونًا كونيًا يُفرض على الأديان.

لكأن السياسة مدنسة، والدين لا يُدنَّس بالتحريف، فلا يكون أخلاقيًا لأنه مجرد غطاء على التدنيس السياسي بدلًا من أن يكون بالجوهر محاولة لجعله هو بدوره محكومًا بالأخلاق القرآنية.

فصار الأقزام يتطاولون على الشافعي مثلًا، مدعين أنه جعل الرسول مشرعًا مع الله لأنه اعتبر السنة النبوية — الحديث — مضاهية للقرآن، وليس قراءة الرسول التي هي عين التبليغ الذي كُلِّف به.

فيكون اعتباره ذلك — حكمة — ادعاء المشاركة في التشريع الإلهي، وليس أفضل فهم له وعرضه بأمانة، وهو معنى اصطفائه للتذكير خلال القراءة على مكث، تذكير تقدمت فيه صفة البشير على صفة النذير

الوسوم

السياسة العلمانية سورة الإسراء الحديث الشريف العلمنة الأديان الشافعي التشريع الإلهي البخاري
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي المدونات

20 سبتمبر 2026

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي

ويأتي هذا الملتقى ضمن سياق طبيعي لإعطاء التراث السويداني حقه من الدراسة والتأمل والتفحّص بعين خبراء وأكفّاء الأمة، وبالأخص رفاق السويدان وتلامذته ومحبيه، كما يُسهم في تثمينٍ مسار اتسم بالعمل المستمر، والالتزام بقضايا الأمة، والحرص على ربط المعرفة بالسلوك، والفكر بالواقع، والمبادئ بالمواقف، في زمن تشتدّ فيه الحاجة إلى ذلك! 

اقرأ المزيد
ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.