المدونات

الترف اللغوي وضياع الأفكار

عبد الرحمن عبد الله 9 أغسطس 2020 2 دقائق قراءة 145 مشاهدة

في تسعينيات القرن الماضي قدم المرحوم محمد أبو القاسم حاج حمد (المفكر السوداني المعروف) ورقة متميزة للمركز العالمي للفكر الإسلامي؛ بعنوان "منهجية القرآن المعرفية". الورقة قدمت محاولة شجاعة لوضع نظرية عامة ومنهج معياري للتعامل مع فلسفة المعرفة في القرآن الكريم. كعادة المرحوم حاج حمد، بذل جهدا كبيرا وقدم ورقة جيدة الإعداد، محكمة الصياغة. 
ثم إن المركز أقام ورشة عمل في القاهرة لمناقشة الورقة، حضرتها شخصيات من الوزن الثقيل: طه جابر العلواني، محمد عمارة، عبد الوهاب المسيري، علي جمعة، محمد حسن بريمة، أحمد فؤاد باشا، عمر عبيد حسنة، وآخرين.

ابتدر الحوار مقدم الورقة، والذي قدم ملخص لما ورد في ورقته. وعلى الرغم من اللغة العالية التي تحدث بها، إلا أني وجدت صعوبة بالغة في مواكبة أفكاره وتبين مقاصده. لكني عذرت نفسي، وظننت أن عجمتي (فأنا نوبي ولست عربي) أصابني في مقتل. لكن ما لفت انتباهي (وقد اطلعت بنهم على محضر الورشة)، أن معظم المتحدثين انتقدوا نزوح المؤلف لتعقيد اللغة، واستحداث صياغات جديدة يصعب فهمها. 
حتى أن د. علي جمعة  قال:(من الغرائب أنني متخصص وأستاذ في الفلسفة والمنطق، وبحكم تخصصي فقد قرأت مئات الكتب الفلسفية معقدة التركيب. لكني وأنا أقرأ الدراسة عجزت تماما عن متابعة أفكارها، بل وجدت نفسي في حالة تشتت ذهني). بعض المتحدثين اقترحوا على مقدم الورقة إعداد ملحق يشرح الألفاظ المستخدمة، مع تعريف مفصل لكل لفظ. 

الشاهد أن الاتجاه النقدي العام تمثل في الآتي: نزوح المؤلف لتعقيد وتقعير اللغة أفسد مجهوده البحثي، وجعل ورقته جامدة صماء، بل وفي حاجة لخريطة لفك طلاسمها.

تذكرت هذه القصة وأنا أتابع كتابات وحوارات عدد من المثقفين العرب المعاصرين، يبدو لي أن السمة العامة لم تعد تقديم الأفكار، وإنما تعقيد البيان. وهذا ما عبر عنه قديما بالقول :"الاهتمام بالمباني على حساب المعاني". هذا النمط الخطابي المتكلف يعقد اللغة ويشتت الأفكار، فلماذا الإصرار عليه؟

تجب الإشارة هنا أن خطابات المثقفين الأمريكيين تعتمد على نسق معاكس: التركيز على الأفكار وتبسيط اللغة والبعد عن استخدام غريب الألفاظ وقديمها. هذا النسق الخطابي الذي ظللت أتعامل معه خلال أكثر من عقد من الزمان (فترة وجودي في أمريكا) دفعني لا إراديا إلى هجر متابعة الصحف والإذاعات العربية، والتحول نحو الإعلام الغربي. 
وهنا أود أن أختم بملاحظة اخرى؛ كثيرا من المثقفين العرب الذين يظهرون في الإعلام الغربي (ويفضلون الحديث بالانجليزية) تلاحقهم نفس مشكلة تعقيد اللغة. تجدهم يلجؤون إلى استخدام مفردات إنجليزية أصبحت حبيسة القواميس ولا مكان لها في الخطاب اليومي. الشيء الذي يجعل أفكارهم مبعثرة وغير واضحة.

الوسوم

الفكر أزمات الأمة الفكر الإسلامي اللغة مقالات الرأي
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي المدونات

20 سبتمبر 2026

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي

ويأتي هذا الملتقى ضمن سياق طبيعي لإعطاء التراث السويداني حقه من الدراسة والتأمل والتفحّص بعين خبراء وأكفّاء الأمة، وبالأخص رفاق السويدان وتلامذته ومحبيه، كما يُسهم في تثمينٍ مسار اتسم بالعمل المستمر، والالتزام بقضايا الأمة، والحرص على ربط المعرفة بالسلوك، والفكر بالواقع، والمبادئ بالمواقف، في زمن تشتدّ فيه الحاجة إلى ذلك! 

اقرأ المزيد
ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.