المدونات

جوهر الإنسان وصناعة السلام في خط الزمان

فريق عمران 30 أبريل 2021 3 دقائق قراءة 416 مشاهدة

حين ينعطف بنا الزمن من لحظة ماضية إلى لحظة آتية، ينحني خط الزمن بنا في انكسرات متتالية، بين ذكريات وحنين، أو أمل نرسمه حلمًا لقادم السنين، فتضيع اللحظة وهي تفتش عن اللحظة، ويموت الإنسان وهو يعتقد أنه يعيش الحياة، فما مضى لم يعد موجودًا، وماهو آت ليس موجودًا، وفي أثناء هذا الفقد يفتقد الإنسان إلى جوهره، فيبحث له عن انتماء، تتحدد سماءاته بما نراه في ثلاثة أصناف

حين ينعطف بنا الزمن من لحظة ماضية إلى لحظة آتية، ينحني خط الزمن بنا في انكسرات متتالية، بين ذكريات وحنين، أو أمل نرسمه حلمًا لقادم السنين، فتضيع اللحظة وهي تفتش عن اللحظة، ويموت الإنسان وهو يعتقد أنه يعيش الحياة، فما مضى لم يعد موجودًا، وماهو آت ليس موجودًا، وفي أثناء هذا الفقد يفتقد الإنسان إلى جوهره، فيبحث له عن انتماء، تتحدد سماءاته بما نراه في ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: هو ذاك الذي يزيده الفقد تمسكًا بذاته، فيجعل أناه مركزًا وكل شئ حولها يدور، فيطمع في الحصول على سعادة لها مضاعفة بسلبها من الضعفاء، ويطغى ويستبد ليغذي أنانيته، ويجعلها تكبر في حيّز من الوهم، يشعره أنه أكبر، فيبعث بكينونته وهويته في سبيل رؤية زائفة للذات، صوّرت الجوهر كمحور يتحرّك حوله العالم من شرقه إلى غربه، دون توقف لصناعة مواقف حقيقية، فكل المواقف لديه هي مجرد سلطةٍ لجلاد، يتقن بسوطه جلد الضحية، ويرى في ذلك كامل الاستحقاق، دون أي بحث عن الحق أو الحقيقة، فالحقيقة حاضرة دومًا في جوهره المظلم الذي عرف إليه الظلم ألف سبيل، من غير حجة أو دليل. فجعل من ذاته الإله الذي يستحق القداسة والعبودية، وقد ذهب الفيلسوف سبينوزا إلى معنى الألوهية حين عرّف الجوهر بأنه "ما كان موجوداً ومتصوراً من خلال ذاته، أي ما كان مفهومه لا يفتقر إلى أي مفهوم آخر ينبغي أن يُستمد منه، فلا يمكن  أن يوجد إلا شئ واحد فقط يصدق عليه هذا التعريف وهو الله"

الصنف الثاني: فهو من يبحث عن جوهره في غيره، بعد أن شعر بفناء ما فيه، فراح يفتش عن الكمال خارج ذاته ليكتمل بذاته، فينصهر في مثيل له وشبيه، أو ضدٍ له ليحاكيه، فيجد إمتدادًا آخرا لجوهره يشعره بديناميكية الحياة، وبنوعٍ من محاربة الفناء باتصالٍ مع البقاء، فيقدّم الخدمات الإنسانية التي تشعره بجوهره الإنساني، ويساهم بالحفر العميق في كل التجارب التي تشعره بالإنتماء، فتراه يتحمس للعرق أو الجنس أو الطائفة أو غيرها، ويتنطع بتقدير جوهره الذي لم يكن شطره، إلا محض انشطارٍ للحظة انتماء في غيره.

وهو ما يناقض ماذهب إليه العالم والفيلسوف ابن سينا حين قال: "الجوهر هو كل ما وجود ذاته ليس في موضوع، أي في محل قريب قد قام بنفسه دونه لا بتقويمه"

 الصنف الثالث: فهو من عرف حقيقة جوهره، فعالج النقص فيها بما اكتشف من نقص في غيرها، فحين اكتشف أناه الأنانية هذّبها بما يراه من انعكاسات لها في غيرها، فكان الغير مرآة يهذّب بها جوهره، لا جوهرًا يهذّب به غيره، فأصبح يتجلى في كل ذاتٍ بصفاته من غير استبداد ولا استعباد، وتلك هي القدوة التي تمتثل فيها الذات الحرة في جواهر عديدة، دون أن تمتثل هي إلى غيرها، فبين المثال والامتثال، وبين العطاء والاكتفاء يصنع الجوهر في هذا الصنف لحظة أبدية تبدّد معها كل خيوط الفناء.

فهذا هو الجوهر وهذا ماينبغي أن يبحث عنه الإنسان، ليكون فقط الإنسان، وهو ماكان في جوهر الرسل والأنبياء، وكان في صفوة الحلق رسولنا عليه الصلاة والسلام، فقال تبارك وتعالى:" لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَة حَسَنَة لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِر" الآية 21 من سورة الأحزاب. 

فالزمن لحظة فارقة إما أن يكون فيها جوهر الإنسان وهمًا بالفوقية أو التفوقية سحيق، وإما أن يكون فهمًا للجوهر عميق، تتحول فيه اللحظة إلى عمر، والعمر إلى تاريخ، والتاريخ إلى لحظةٍ أبدية لاينجو فيها الإنسان لوحده، بل تنجو كل الإنسانية.

وهنا تتجلى عظمة دين الإسلام الذي جعل السلام لحظة بقاء، لاتتحقق إلا بأن يساوي فيها إنسان واحد كامل البشرية، فكما يقول المفكر مصطفى محمود رحمه الله:"احترام الإسلام للفرد بلغ الذروة، وسبق ميثاق حقوق الإنسان وتفوق عليه، فماذا يساوي الفرد في الإسلام؟ إنه يساوي الإنسانية كلها".

قال عز وجل :"مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ" الآية 32 من سورة المائدة.

الوسوم

الإسلام الإنسان السلام الزمن الجوهر
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد
الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم المدونات

14 فبراير 2026

الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم

بصرف النظر عن كون تدوين الحديث الأخير كان فرصة للتدرج العلمي نحو وضع أسس علم التاريخ النقدي عندما تغيب الآثار الكتابية والمادية لأحداثه، فلا يبقَ إلا حديثه في الذاكرة أو اختلاط بعض الوثائق المكتوبة والمذكورة في التقاليد الشعبية.

اقرأ المزيد
عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة المدونات

4 فبراير 2026

عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة

معركة الطوفان الأقصى من المحطات المفصلية في التاريخ المعاصر، وربما لا أبالغ إن قلت، وكما قال غيري من المحللين والدارسين والباحثين، أنها أهم معركة خاضها المسلمون في المائتي سنة الأخيرة. إذ لم تأتِ معركة بهذا الحجم وبهذه الآثار والانعكاسات على العالم كله فكرًا ووعيًا وسلوكًا، وغيرت كثيرًا من المعطيات الدارجة التي كانت موجودة في العالم قبل هذه المعركة.

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.