المدونات

حرية التعبير.. أين حدودها؟

فريق عمران 25 يوليو 2020 6 دقائق قراءة 190 مشاهدة

أين حدود التعبير؟ من الذي يقرر هذا أمام تمرد العقل وسباحته التي لا تعرف الشواطئ؟ ما قيمة أي تفكير ما لم يجد طريقه إلى التشكل بالتعبير نطقاً وكتابة ونشاطاً؟ من يسمح للتفكير بالانطلاق والتعبير بالانحباس يغتال الفكر والتعبير معاً.

أين حدود التعبير؟ من الذي يقرر هذا أمام تمرد العقل وسباحته التي لا تعرف الشواطئ؟ ما قيمة أي تفكير ما لم يجد طريقه إلى التشكل بالتعبير نطقاً وكتابة ونشاطاً؟ من يسمح للتفكير بالانطلاق والتعبير بالانحباس يغتال الفكر والتعبير معاً. 

إذا سمحنا للعقل بالتفكير وكممنا الأفواه عن التعبير كنا كمثل من ينطلق بسيارة مشدودة الفرامل فهل يفعل هذا أحد منا؟ لقد صادرنا الكلام فلا يفتح المواطن فمه إلا عند طبيب الأسنان؟ عندما نقول أننا مع التفكير ولكن لابد من تنظيم التعبير نحن في الواقع نطلق نكتة ولا نريد التعبير إلا بإلغاء كل تعبير تحت شعار لا حرية لأعداء الشعب لنصادر كل حرية؟! من هو العدو؟ وأي حرية نعني؟

يجب أن نشجع التفكير بدون حدود والتعبير بدون قيود ونحرم شيئاً واحدا وهو استخدام القوة لفرض الآراء خروجا ودخولا، ومن عنده قدرة على إقناع الناس فليلق حباله وعصيه ويسحر الناس؟

نحن نظن أننا اذا سمحنا للحق والباطل بفرص متكافئة أن الباطل سيهزم الحق؟! ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين؟! نحن نظن أننا إذا فتحنا المجتمع لجميع الآراء أن الإسلام سيختفي من الأرض؟!

 ولكن الذي ثبت أن الإسلام صمد عبر التاريخ ويكسب أتباعاً باستمرار ليس أقلها (أخوات محمد) في ألمانيا من نساء جرمانيات وليس تركيات؟! اعترفت مجلة الشبجل الألمانية أن عددهن يتجاوز الخمسين ألفاً، وكتاب (جيفري لانج) عن (الصراع من أجل الإيمان) يبين كيف أن أستاذ الرياضيات الأمريكي الملحد أسره القرآن فاعتنق الإسلام ولكن اتصاله بالمسلمين فجعه؟

أي فكرة خاطئة ستتهاوى ولو بعد حين، ومن يحمل في جيبه عملة مزيفة لن يستفيد منها وسيرسي مصيره وراء القضبان، ومن ملك الذهب صرفه في بنوك العالم أجمعين.

وأي نظام فكر يقوم على الوهم والإكراه لن يصمد مهما حاولنا ترويجه وحراسته، وآية الفشل على أي نظام أنه لا يقوم إلا بحراسة الإرهاب، وانهار الاتحاد السوفيتي بسبب داخلي محض بدون أي هجوم خارجي وهو يملك ما يدمر به الكرة الأرضية مرات لأنه كان أعظم نظام إكراه في العقيدة؟

يجب أن نعلم أن قوة أي فكرة هي من داخلها وليس من خارجها، وأن النظام الذي يعتمد القمع يضرب أول مسمار في نعشه ويدشن أول مظاهر هزيمته.

 اعتبر القرآن أن الباطل يمكن أن ينمو فيصبح شجرة، والديكتاتوريات أصبحت في بعض الأمكنة أشجاراً باسقة ولكن مصيرها في النهاية أنها ستسقط؛ فبقدر ما تنمو بقدر ما تقترب من النهاية لأنها لا تملك الجذور فتسقط تحت ثقل الأغصان؛ فاجتثت من فوق الأرض مالها من قرار. هذه هي عظة التاريخ.

يجب السماح لجميع الأفكار بالتواجد مهما تناقضت فالمجتمع ينمو بتعددية الآراء ولذلك خلقهم؛ فيجب أن يسمح لكل الاتجاهات بالحضور والدعوة والمناقشة العلنية مهما حملت من أفكار وبرامج وهذا يعني بناء مجتمع (اللاإكراه في الدين) وهذه فكرة مفتاحية في القرآن، فمع ممارسة الإكراه في المجتمع واحتكار السلطة وإنشاء نظام الحزب الواحد سواء كان قومياً أو اسلامياً تتم مصادرة كل الآراء لرأي يتيم في جيب سلطان مطلق، وهذا يعني بناء طرق سريعة باتجاه واحد، وصناعة سيارات تمشي إلى الأمام فقط؛ فإذا دخلت المرآب انحشرت فلم تخرج فهل يقول بهذا رجل رشيد؟! 

إن قتل الناس من أجل آراءهم أسلوب فرعوني وليس إسلامي فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يكرر لأصحابه أهمية الرأي العام: أتريدون أن يشاع بين الناس أن محمداً يقتل أصحابه؟

 

أعدم سقراط بالسم عام 399 قبل الميلاد بجريمة (التعبير) أنه ينشر الإلحاد ويفسد عقول الشبيبة، ونفي الفيلسوف الرواقي (ابكتيتوس) من روما بنفس التهمة، وقضى (ابن رشد) بقية الشيخوخة في قرية (الليسانة) اليهودية تحت الإقامة الجبرية وطرده الغوغاء من مسجد قرطبة، وضرب (ابن تيمية) بالنعال وسيق إلى التعزير ثم مات في سجن القلعة من أجل (تعبيره) عن أفكار خطيرة؟

المشكلة في الأفكار أنها لا تعيش ولا تتكاثر بدون التلاقح في ربيع (التعبير) فهي تخضع لقانون الزوجية؛ فالغازات في الطبيعة لا تعرف العزوبة وهي تعيش على شكل أزواج من جزيئات الأكسجين والهيدرجين والماء، ويحمل النحل غبار الطلع فتتلاقح به الاشجار، ولا يلد الحيوان والإنسان صغاره بدون الاتصال الجنسي، ولا تشكل الأفكار شذوذا على هذا القانون فهي تتلاقح وتتوالد وتكبر ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون.

القرآن يقول بالزوجية وهيجل بالجدلية والرأسمالية بالسوق الحرة والعولمة.

لماذا لا توجد حرية تعبير في العالم العربي؟ لماذا لا تتحرك مظاهرة احتجاج واحدة في عاصمة عربية في أخطر قضايا الأمة؟ هل لأن السياسيين لا يسمحون؟ أو لأننا ليس عندنا فكراً يستحق التعبير؟

هناك علاقة جدلية ما بين الفكر والتعبير؛ فعندما تم اغتيال الفكر عبر التاريخ ولدت أمة خرساء حاضرة بأشد من الغياب أتقنت فن الصمت إلى يوم يبعثون.

والسؤال لماذا يحدث ما يجب أن لا يحدث؟ وهل يختنق الفكر حقاً بحبس مجاري التعبير؟ في الواقع عندما يولد الفكر لا يمكن محاصرة (التعبير) فله ألف لسان، والكلمة كائن حي، وأهم مزايا الحياة التكاثر والحركة، والكلمة المحاصرة تبحث عن جداول تنبجس من خلالها ولو بعد حين.

هكذا تشققت الأرض في ( بادوا ) بإيطاليا للماء القادم من ( سييرا نيفادا ) من أندلس ابن رشد، وأعيد الاعتبار لغاليلو بعد أربعة قرون ويرسل اليوم مسبار فضائي باسمه إلى المشتري، ووضع لجيوردانو برونو الذي أحرق في روما عام 1600 م نصباً عاماً بلاغا للناس وهدى وموعظة للمتقين.

عندما نسمح للمواطن بالتفكير ونحرمه من (التعبير) نريد في الواقع كائنا أسطوريا لا ينتسب للأرض على صورة إنسان مقصوص اللسان كمن يريد كمبيوتر بدون شاشة وطابعة؟

تمدنا البيولوجيا والسيكولوجيا بأمثلة فاذا احتقن الخراج وجب أن يفرغ للخارج بأي وسيلة وإلا اتخذ طريقه بنفسه وقد ينفجر للداخل فيقتل صاحبه، وفي السيكولوجيا تعالج العقد النفسية بالتحليل النفسي فإذا ظهرت للسطح تعافى الانسان ونشط من عقال.

نحن نتجرع الدواء مع كل وعينا أنه قد يتسبب في (أعراض جانبية ) ونسوق السيارة مع وقوع الحوادث اليومي، ونجري الجراحات المعقدة مع توقع حدوث (المضاعفات) وكذلك التعبير فيجب أن نطلق الضمير ونحرر اللسان من الخرس مع توقع كل الأعراض الجانبية. يجب أن نتوقع بعض الآثار الجانبية الضارة مقابل مجتمع صحي يتناصح به الناس ولا يخافون إذا أطلقوا لسانهم في التعبير عما يرونه صحيحاً أو ضلالاً، والمجتمع الساكت ميت حتى يبعثه الله، ومعظم المجتمعات العربية تعيش هذه الكارثة كوباء متوطن منذ أيام يزيد كما تعيش البراغيث في فروة الثعلب المسكين. 

عندما نريد أن نضع القيود على ( التعبير ) يفيد أن نستحضر تجربة النبي صلى الله عليه وسلم الذي اتهمته قريش بأنه يسفه أحلامهم ويعيب آلهتهم وأنه صابيء مرتد منحرف وأنه شاعر تربصوا به ريب المنون وأنه ساحر كذاب وأنه مجنون لأنه ينطق حراماً وممنوعاً ويحتاج إلى رخصة في الكلام من السلطات المسؤولة، فكيف يسوي محمد بين الرجل والمرأة والعبد والسيد والقرشي والفارسي؟

كل مجتمع يحرِّم التعبير بقدر (راديكالية) الفكرة ولكن المشكلة أن المجتمع لا يتقدم إلا بالأفكار الراديكالية التي تمس واقع الناس وتعالج الاستعصاءات الثقافية، وأما الالتفاف على الواقع بالكلمات فهي أقرب لصناعة السحر لنضيف إلى القاموس لفظة ونخسر في الواقع حقيقة.  

من يريد أن يكتب كي لا يكتب من الأفضل أن لا يكتب؟ ومن يريد أن يتسلق ظل الكلمات سيعيش في الظل إلى يوم القيامة.

جيء بامرأة خارجية إلى الحجاج فقال لأصحابه ما تقولون فيها؟ فأشار عليه من حوله بقتلها لحجتها وبلاغة لسانها وجرأتها على الأمير. فقالت له لقد كان وزراء صاحبك خيراً من وزرائك يا حجاج؟! قال ومن صاحبي؟ قالت: فرعون؟! فقد استشار وزراءه في موسى عليه السلام فقالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين ولكن أصحابك يوصونك بقتلي بدون تأخير؟

الوسوم

الفكر الكتابة الوعي الحرية أزمة الفكر التفكير الواقع التعبير
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد
الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم المدونات

14 فبراير 2026

الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم

بصرف النظر عن كون تدوين الحديث الأخير كان فرصة للتدرج العلمي نحو وضع أسس علم التاريخ النقدي عندما تغيب الآثار الكتابية والمادية لأحداثه، فلا يبقَ إلا حديثه في الذاكرة أو اختلاط بعض الوثائق المكتوبة والمذكورة في التقاليد الشعبية.

اقرأ المزيد
عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة المدونات

4 فبراير 2026

عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة

معركة الطوفان الأقصى من المحطات المفصلية في التاريخ المعاصر، وربما لا أبالغ إن قلت، وكما قال غيري من المحللين والدارسين والباحثين، أنها أهم معركة خاضها المسلمون في المائتي سنة الأخيرة. إذ لم تأتِ معركة بهذا الحجم وبهذه الآثار والانعكاسات على العالم كله فكرًا ووعيًا وسلوكًا، وغيرت كثيرًا من المعطيات الدارجة التي كانت موجودة في العالم قبل هذه المعركة.

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.