المدونات

عن اختراق الوعي

فريق عمران 4 مايو 2025 2 دقائق قراءة 28 مشاهدة

الأصعب – كما يبدو – من الاختراق الأمني هو اختراق الوعي، خاصةً عند الطبقة التي تصدّر نفسها بأنها مثقفة مطّلعة، وتشكيل وعي يتناغم تمامًا مع العدو وروايته وخطته في تحقيق أهدافه.

اختراق الوعي الذي تحدث عنه د. عبدالوهاب المسيري رحمه الله، حين ذكر بأن جزءًا كبيرًا من الهالة التي رسمها الكيان حول نفسه هو جزء من الصورة التي يعمل ليل نهار على زرعها في مخيلة العرب: "الجيش الذي لا يُقهَر".

ليس هذا فحسب، بل ما نجح فعليًا في تحقيقه من اختراق للوعي هو حالة الوهن والعجز، واستحالة مجاراة العدو، ليس فقط لقوّته، بل لانعدام الثقة بالنفس.

مناهضو خط المقاومة لا يكتفون فقط بعدم ثقتهم بالمقاومة كفصائل أو كنهج، بل أحاديثهم نابعة من حالة استسلام تامة، وانعدام للثقة بالنفس، وهذا يتجاوز حتى إطار المناكفة السياسية.

على الرغم من أن التجارب السابقة لم تستعرض أبدًا أي تجربة استقلال أو تحرر نجحت بفعل التفوق المادي، على العكس تمامًا، كانت كل التجارب دامية دفعت خلالها الشعوب أثمانًا باهظة فوق التخيل: ليبيا، والجزائر، وفيتنام، وأفغانستان...

فاقد الثقة هو فاقد الإرادة على فعل شيء، إلا الثقة في حتمية عجزه. وأن الاحتلال، وفعله، وخططه، وأفكاره، قدر محتوم.

هذه العقول الحبيسة في قفص رواية العدو – قفص العبودية – تتجرأ على فرض أسلوبها وأفكارها على المستضعفين أمثالها ممن كسروا هذا الحاجز وتجاوزوا حالة عدم الثقة، وانشغلوا لسنوات، بل لعقود، في خطّ طريق التحرر صنعوا خلاله، ولا زالوا، المعجزات.

هذه العقول ليست طفرة على أي تجربة تحرر، وأكاد أجزم بأنهم لو شهدوا تحرر فلسطين كاملة، ستنبري أقلامهم إلى الكتابة عن "مؤامرة تحرير فلسطين"، ويسوقوا لها الأدلة والبراهين المجتزأة من سياق التاريخ، كما فعلوا ويفعلون اليوم بانتزاع السابع من أكتوبر من سياقه!

التغيرات الحالية والقادمة كبيرة، ومن تحصّن خلالها من اختراق الوعي، سيحصّن نفسه من العبودية. وأما من قرّر أن يعيش حبيس رواية العدو، فسيظل يحقر ذاته حتى ولو ملك عصا موسى، ويظل منبهرًا بعدوه، حتى وإن رآه يغرق، ويخسر، ويتفكك، وينهار.

وربما تكون صدمته بانهيار عدوه أكبر من صدمته بكل ما فعله في حرب الإبادة، لأن العدو عمل جيدًا على كيّ الوعي، وتعميق صورته القوي المتغلب في أذهاننا، والقادر دون سقوف، متفوقًا – في نظرهم – حتى على إرادة الله!

الوسوم

الوعي غزة الكيان الصهيوني عبد الوهاب المسيري طوفان الأقصى
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد
الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم المدونات

14 فبراير 2026

الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم

بصرف النظر عن كون تدوين الحديث الأخير كان فرصة للتدرج العلمي نحو وضع أسس علم التاريخ النقدي عندما تغيب الآثار الكتابية والمادية لأحداثه، فلا يبقَ إلا حديثه في الذاكرة أو اختلاط بعض الوثائق المكتوبة والمذكورة في التقاليد الشعبية.

اقرأ المزيد
عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة المدونات

4 فبراير 2026

عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة

معركة الطوفان الأقصى من المحطات المفصلية في التاريخ المعاصر، وربما لا أبالغ إن قلت، وكما قال غيري من المحللين والدارسين والباحثين، أنها أهم معركة خاضها المسلمون في المائتي سنة الأخيرة. إذ لم تأتِ معركة بهذا الحجم وبهذه الآثار والانعكاسات على العالم كله فكرًا ووعيًا وسلوكًا، وغيرت كثيرًا من المعطيات الدارجة التي كانت موجودة في العالم قبل هذه المعركة.

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.