المدونات

رمضانيون أم ربانيون؟

فريق عمران 28 يونيو 2019 4 دقائق قراءة 84 مشاهدة

عندما نودع رمضان ندرك كم ظلمنا أنفسنا بالظن أننا ضعفاء الإرادة لا نقوى على فعل ما نريد، ثم نكتشف أخيرا أننا أقوياء قادرون، ومسؤولون عن قراراتنا وتصرفاتنا.

عندما نودع رمضان ندرك كم ظلمنا أنفسنا بالظن أننا ضعفاء الإرادة لا نقوى على فعل ما نريد،  ثم نكتشف أخيرا أننا أقوياء قادرون، ومسؤولون عن قراراتنا وتصرفاتنا.
ليالي العشر المباركة التي كان فيها نبينا يشد مئزره، علمتنا معنى الفاعلية،  بفلسفة أخرى علمتنا الاستراتيجية القائلة :" ضاعف جهدك!" ليالي معدودات ضاعفنا فيها الجهود والغرس استعدادا لحصاد وفير تخبئه لنا الأيام، هكذا لابد من إضاءة هذه الشعلة في قلوب الجيل، بأن العمل والجهد المضاعف يجلبان لنا الخير والنصر، فكما الأجر من الله لا يُستمطر بالنظر إلى السماء هكذا دون عمل، كذلك النهضة والنصر لا يتحققا دون صراع وتغيير وعمل، نبدأ به من عند أنفسنا، " قل هو من عند أنفسكم".
وعندما كبر الإمام تكبيرة الإحرام تحرك الشعور بالوقت في دواخلنا بل وبالثانية الواحدة، أصبحنا نتراكض خلف الثانية الواحدة، قدّرنا قيمة الوقت من غير أن نشعر فكان هذا الإضفاء صورة من صور عزة الإسلام واستعادة مجدهم، وكل سجدة كان يكبّر للسجود فيخرّ آلاف المصلين على جباههم فتشعر وكأن الكون كله سجد وخشع فؤاده لله عز وجل.

في الليلة الأخيرة، قرر البعض أن يودع رمضان إلى رمضان القادم، أن يحزم حقائبه ويسافر في رحلة حياته من غير زاد روحي يتقوى به، وقرر آخرون أن يستمر معهم رمضان طول العام، هنا يكمن فن إتخاذ القرار بين أن نكون رمضانين أم ربانيين!
هل سمعت بالمثل القائل " الفرصة الحقيقية هي التي تغتنمها"؟! رمضان كذلك، العشر الأواخر، وليلة القدر أيضًا، عليك أن تغتنمها وتقتنصها بكل ما أوتيت من قوة، هي ما تحدد كيف سيكون عامك من السعادة والتوفيق والرضا، فإياك أن تكون محروما! وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "الفرصة تمر مر السحاب، فانتهزوا فرص الخير"

رحِمنا الله فبعث لكل واحد منا من يقوي إيمانه ويذكره وينصحه، فلم يكن الفرد منا يصد هجوم شيطانه منفردا، بل بوجود الصحبة الصالحة التي ترافقه والقدوة الحسنة التي يتطلّع إليها، يمكن لنا أن نجعل هذا المدّ يشمل كل أيام عامنا وكل مواقف أيامنا وكل مجالات حياتنا لنكون حقا خير أمة أخرجت للناس.

لعل البعض نسب لرمضان التهالك والضعف، وفرغ شهره للصيام وتفرغ من كل عمل ينفع به أمته، ربما أنسانا طول العهد ومرور الوقت الفتوحات العظيمة التي حققها المسلمون في رمضان حتى سمي مباركا، ففيه فتح المعتصم عمورية في السادس من رمضان سنة 223 هـ استجابة للصرخة التي استنجدت قائلة " وامعتصماه"، ومعركة العبور في العاشر من شهر رمضان سنة 1393 هـ التي انتصر فيها جنود الحق على المحتلين الصهاينة، وارتفعت رايات الحق عالية خفاقة، وفي الرابع عشر من رمضان سنة 666 هـ فتحت أنطاكية على يد الظاهر بيبرس، والتي كانت تخضع لحاكم صليبي من أشد الحكام أذى للمسلمين وتعذيبا لهم .
ولا يمكن أن ننس غزوة بدر الحدث الأهم في السابع عشر من رمضان والتي كانت فرقانا بين الحق والباطل حتى أطلق عليها القرآن " يوم الفرقان".
كل ذلك كان يُحدثه رمضان، عندما علم السابقون أنه شهر للفتح والتغيير، لا للصيام فقط والاتكاء على الأسِرَّة منتظرين رحيله.

رمضان يمد لنا طوق النجاة كل مرة بعد أن نكاد نغرق في بحر المعاصي والظلمات لسنة كاملة، نشعر أننا نبصر ولكننا ندرك بعده أننا أصبحنا أفضل بكل شيء، حتى بصيرتنا أصبحت ترى بوضوح أكثر، لأننا تقربنا من الله، ربما شبرا أو ذراعا أو باعا أو أقل من ذلك أو أكثر! أتى رمضان انتشلنا طهرنا أخرجنا كيوم ولدتنا أمهاتنا "ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما لم تغش الكبائر".
رحل رمضان بعد أن علمنا أنه كان بإمكاننا أن نصوم فُرادى وأن نصليَ فُرادى ولكن الله أراد لنا أن نؤديَ كل تلك الشعائر مجتمعين لا متفرقين، لندرك كيف تقوينا الوحدة وتشكل كياننا وتجعلنا جبلا شامخا أمام الأمم الأخرى، مصداقا لقوله تعالى:" وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا".
 رحِمنا الله فبعث لكل واحد منا من يقوي إيمانه ويذكره وينصحه، فلم يكن الفرد منا يصد هجوم شيطانه منفردا، بل بوجود الصحبة الصالحة التي ترافقه والقدوة الحسنة التي يتطلّع إليها، يمكن لنا أن نجعل هذا المدّ يشمل كل أيام عامنا وكل مواقف أيامنا وكل مجالات حياتنا لنكون حقا خير أمة أخرجت للناس.

الوسوم

الفاعلية رمضان الوحدة الربانية الإيمان
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد
الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم المدونات

14 فبراير 2026

الحرب على الحديث من حمق أعداء الإسلام وسفاهتهم

بصرف النظر عن كون تدوين الحديث الأخير كان فرصة للتدرج العلمي نحو وضع أسس علم التاريخ النقدي عندما تغيب الآثار الكتابية والمادية لأحداثه، فلا يبقَ إلا حديثه في الذاكرة أو اختلاط بعض الوثائق المكتوبة والمذكورة في التقاليد الشعبية.

اقرأ المزيد
عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة المدونات

4 فبراير 2026

عبد الرحمن زكي حمد: تحت راية الطوفان هو منهاج المسلم في زمن الغربة

معركة الطوفان الأقصى من المحطات المفصلية في التاريخ المعاصر، وربما لا أبالغ إن قلت، وكما قال غيري من المحللين والدارسين والباحثين، أنها أهم معركة خاضها المسلمون في المائتي سنة الأخيرة. إذ لم تأتِ معركة بهذا الحجم وبهذه الآثار والانعكاسات على العالم كله فكرًا ووعيًا وسلوكًا، وغيرت كثيرًا من المعطيات الدارجة التي كانت موجودة في العالم قبل هذه المعركة.

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.