إنّ أخطر ما يمكن أن يصيب الأمم على الإطلاق هو أن لاتميز بين الاصطفاف والاصطفاء،وبين الحشد والبناء،وبين الاجتماع والوحدة، فليس كل من تجمّعوا أصبحوا جماعة،كما أن التصفيق لفكرة واحدة لا يعني الإيمان بالمشروع نفسه.
الإشكالية رقم 01 | إشكالية السلاسل والجماعات في بناء الدولة
إنّ أخطر ما يمكن أن يصيب الأمم على الإطلاق هو أن لاتميز بين الاصطفاف والاصطفاء،وبين الحشد والبناء،وبين الاجتماع والوحدة، فليس كل من تجمّعوا أصبحوا جماعة،كما أن التصفيق لفكرة واحدة لا يعني الإيمان بالمشروع نفسه.
وأنّ أشد محذور ينبغي أن تحذره أي أمة من الأمم ، ليس هو افتقارها إلى القوة،وإنما خطؤها في تعريف القوة.
فكم من أمة حسبت كثرتها مَنَعة، فإذا بها تكتشف أن الكثرة التي لا يجمعها مشروع ليست إلا ازدحامًا بشريًا، وكم من دولة امتلكت المؤسسات والدساتير والموارد، لكنها عجزت عن صناعة التاريخ، لأنها بنت هياكلها على أفرادٍ لم يتحولوا يومًا إلى جماعة.
وهذا يجعلنا نستحضر قول المفكر مالك بن نبي حين قال:" إن مشكلة الحضارة في جوهرها هي مشكلة إنسان".
ولعل من أكثر المفاهيم الفلسفية قدرة على تشريح هذه الإشكالية باعتقادنا، هو ذلك التمييز بين السلسلة والجماعة.
إذ أن السلسلة ليست مجرد اجتماع للأفراد، وإنما هي اجتماع تفرضه الضرورة ولا تصنعه الإرادة، فهي تلك الصورة التي نرى فيها الناس يقفون في صف واحد، بينما يحمل كل واحد منهم عالمًا مختلفًا، وغايات متباينة، وانتظارًا مغايرًا، فيبدون مجتمعين، لكنهم في حقيقة الامر محض متجاورين، وما أن تنقضي الضرورة حتى ينقضي الاجتماع معها،لأن الرابط الذي جمعهم لم يكن نابعًا من الداخل، بل مفروضًا من الخارج.
أما الجماعة،فهي شيء آخر تمامًا.
إنها اللحظة التي ينتصر فيها المعنى على الظرف، والغاية على المصلحة، والرسالة على المنفعة،عندها لا يعود الآخر مجرد منافس يقتسم مع الجماعة الندرة، وإنما يصبح شريكًا في حمل عبء الفكرة،حتى وإن نافس في الأداء أو اختلف في الوسيلة.
فالإجتماع بالنسبة للإنسان ضروريا بالطبع،إذ لا يستطيع الإنسان أن يحقق كماله إلا بالعيش مع غيره
كما وصف ذلك ابن خلدون في مقدمته.
وهنا يبدو الفرق جليًا بنظرنا بين مجتمع يعيش على التزاحم، وآخر يعيش على التكامل.
فالقوة الحقيقية في المجتمع تكمن برأينا في قدرته على العمل المشترك.
ولهذا فإن الأزمات ليست هي التي تهدم المجتمعات،وإنما الأزمات تقوم بالكشف عنحقيقتها،وليست هي أبدا من تصنع التشقق،بل هي من تزيح الغبار عن الشقوق القديمة،فرياحهاإذا هبّت لم تسقط سوى البنيان التي كانت منذ البداية متصدعة.
وإنه لمن المؤسف أن نرى هاته الأمة تعيش هاته الإشكالية منذ زمن طويل،رغم ماتملكه من عناصر الوحدة الذي يفوق أمما كثيرة: كالعقيدة، والقبلة،والتاريخ، والذاكرة، والرموز... ومع ذلك كثيرًا ما نجد هذه المشتركات تتحول إلى مجرد إطار ثقافي، لايمكنه أن يشارك في إصدار أي مشروع حضاري جامع ومتكامل،بل جرت العادة أن نرى تقدم المصالح الجزئية على الرسالة الكلية،وانتصار الانتماء الصغير على الانتماء الكبير، والسبب في ذلك إنما هو الإكتفاء بالانتماء، من غير تساؤل حول طبيعة هذا الانتماء.
فليس كل انتماء يمكنه تحرير الإنسان،كما أنه ليس كل اجتماع يحفظ الأمة،فهناك انتماءات تجعل الإنسان أكثر قدرة على العطاء، وهناك انتماءات لا تزيده إلا شعورًا بالوحدة وهو بين جمع من الناس.
ولهذا فإن البحث الحقيقي ليس عن جماهير أكثر،وإنما عن جماعات أكثر،لأن الجماهير قد تملأ الساحات، لكنها لاتسد الثغرات ولا تبني الحضارات،بينما الجماعات قد تكون قليلة العدد، لكنها تمتلك من وحدة الفكرة ما يجعلها قادرة على إعادة تشكيل التاريخ.
كما أن بناء الدولة لا يبدأ من القوانين الموضوعة، بل من الإنسان الذي يدرك أن وجوده لا يكتمل إلا بوجود المشروع الذي يحمله، فالدساتير في حقيقتها لا تخلق الوعي، وإنما الوعي هو الذي يمنح الدساتير روحها، والمؤسسات لا تصنع الثقة، وإنما الثقة هي التي تمنح المؤسسات قدرتها على الاستمرار، وهذا يذكرنا بتلك الثنائية التي تحدث عنها الفيلسوف طه عبد الرحمن، ثنائية الأبتر والكوثر، إذ يرى أن الإنسان الأبتر هو ذاك الذي انقطع عن أصله الروحي والقيمي في سبيل المكتسب المادي وعكسه الكوثر.
ولهذا باعتقادنا فإن سؤال:
_ كيف نجمع الناس؟ ليس أبدا هو السؤال الذي ينبغي طرحه،لأن هذا أمر تفعله المصالح والخطابات والظروف العابرة.
وإنما السؤال الجوهر هو:
- كيف نحوّل هذا الاجتماع إلى جماعة؟
- كيف نجعل الفكرة أقوى من المنفعة؟
- كيف تكون الرسالة أبقى من الظرف؟
- وكيف يصبح المصير المشترك أوسع من الحسابات الفردية؟
فالحضارات لا تنهار عندما تخسر معركة، وإنما تنهار عندما تتحول من جماعات تحمل رسالة،إلىسلاسل يجمعها الانتظار.
ولعل هذه الإشكالية هي ماينبغي أن يبحث فيها كل من امتلك بعضًا من مفاتيح العلم ، مع ناصية للفهم، فبرأينا مستقبل الأمم لا يتوقف على عدد الواقفين في الصف الواحد، وإنما على عدد السائرين في الاتجاه نفسه.