المدونات

الفتيان المجدِّدون!

أسامة الأشقر 26 أكتوبر 2025 2 دقائق قراءة 21 مشاهدة

ستروي ملاحمُ المجد أنّ شباباً من أهل الثغر في مقتبل العمر لم يتمحّضوا في التجربة القاسية، ولم ينغمسوا في لُجّة الحياة الصعبة، كانوا مشاركين في مخيمات التلاوة، وفعاليات الفتوّة، ومواسم الإجازة.

ستروي ملاحمُ المجد أنّ شباباً من أهل الثغر في مقتبل العمر لم يتمحّضوا في التجربة القاسية، ولم ينغمسوا في لُجّة الحياة الصعبة، كانوا مشاركين في مخيمات التلاوة، وفعاليات الفتوّة، ومواسم الإجازة.

كنّا نراهم في الميادين المفتوحة يمثّلون أدوار المقاتلين، وهم فتية صغار، يخوضون حرب شوارع متخيّلة بأسيافهم الخشبية، وبنادقهم البلاستيكية، ويتقافزون يتصايَحون في الحواري والسوافي والتلال في حماسة وشغف.

كنّا نفرح لمرْآهم، ونضحك من نجواهم، وكان كثيرون لا يأبَه لهم، ولا يكترث بهم، ويظنّهم في لهو ولعب.

كنّا نظنّهم أعواداً طريّةً، حُدَثاء الأسنان، ونقلّل من شأنهم، ونغتابهم غيبة المُحِبّين بأنهم قد طرّ شاربُهم حديثاً، وسيحتاجون زمناً طويلاً لتنضجهم التجارب والمصاعب والأزمات، ثمّ وجدناهم مع الطوفان بالمئات كالسباع التي تسابق على الموت، وتُروَى عنهم الحكايات المَجيدة، والبطولات العجيبة المدهشة التي لا نكاد نصدّقها.

لقد وجدنا فيهم فتياناً في حكمة الشيوخ المجرّبين والأساتذة المعلّمين تربّعوا على عرش الوعي، وامتلكوا ناصية الفهم المباشِر، وتمكّنوا في باب الاجتهاد العمليّ، ورتّبوا أبواب فقه النوازل.  

بعضُ هؤلاء الشباب كان ممن لم يمضِ على مفاتحته وتهيئته بضع أسابيع، فتراهم يُبْلون بلاءً لم يشهده الكبار الذين سبقوهم، فعلِمنا كيف كان رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه يبعث أصحابه الذين أسلموا حديثاً أمراءَ جندٍ وهم ما زالوا في بداية الطريق بظنِّنا.

هؤلاء ترى فيها انتماءً يعجز الناس عن فهم قوّة شغَفِه، وسلاسة حضوره، فهناك شيء فيهم قد حوّلهم وقلَبهم إلى مدوّنات حيّة في ملاحم وأساطير، وكأنّهم ينظرون إلى أسرار عالَمٍ غيبيّ لا يستطيعون وصفه ولا الحديث عنه، فيَمْضون إليه في سكونٍ صاخبٍ وراءَهم. 

عندما حدثوني عنهم عرفتُ أنهم جندُ الله وأقدارُه الماضية، لذلك تهابُهم الأسودُ الضارِية، والضباع العادِية، فتذكرتُ حينها نشيد أحدِهم، يترنّم بأشعار صديقهم عنترة الشجاع الذي كانوا يتناصحون بحفظ قصائده:

حِـصاني كـانَ دَلّالَ الـمَنايا *** فَـخاضَ غُبارَها وَشَرى وَباعَا

وَسَـيفي كانَ في الهَيجا طَبيباً *** يُداوي رَأسَ مَن يَشكو الصُداعا

أَنـا الـعَبدُ الَّذي خُبِّرتَ عَنهُ *** وَقَـد عـايَنتَني فَدَعِ السَماعا

ولو أرسلتُ رمحي مع جبانٍ *** لَكان بهَيبتي يلْقَى السِّباعا

ملأتُ الأرضَ خوفاً من حُسامي *** وخصمي لم يَجدْ فيها اتِّساعا

إنّهم شيوخ الأرض في زماننا، وتلاميذ الأئمّة الشامات الكبار. 

الوسوم

الشباب العلماء البطولة الثغر التجربة الحياة الصعبة
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي المدونات

20 سبتمبر 2026

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي

ويأتي هذا الملتقى ضمن سياق طبيعي لإعطاء التراث السويداني حقه من الدراسة والتأمل والتفحّص بعين خبراء وأكفّاء الأمة، وبالأخص رفاق السويدان وتلامذته ومحبيه، كما يُسهم في تثمينٍ مسار اتسم بالعمل المستمر، والالتزام بقضايا الأمة، والحرص على ربط المعرفة بالسلوك، والفكر بالواقع، والمبادئ بالمواقف، في زمن تشتدّ فيه الحاجة إلى ذلك! 

اقرأ المزيد
ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.