أزمة الفاعلية

سماد الجائعين!

أسامة الأشقر 21 يوليو 2025 2 دقائق قراءة 27 مشاهدة

أيها الناس! لم يكن فينا خمولٌ ولا كسلٌ يوماً. لكن ما تبقى من عضلاتنا لا يكاد يقوم، ولا يتجمّع. نحن لم نعُد نشعر بالوقت من حولنا، ولم نعد نشعر كثيراً بمن حولنا. فهذا الجوع يقتل مشاعرنا، ويحبط قدرتنا على التواصل والتفاعل، ويرمينا في الكآبة.

كتب لي مُستصرخاً: يا مَن كنتَ صديقي زَعْماً! ماذا تفعل أيها البائس اللئيم هناك؟ ألا ترى أنّ هذا الجوع يتلف أبداننا، ويكسر ظهورنا، ويفكك كل وظيفة فينا! إننا نمضي اليوم كله على أقدامنا بحثاً عن لقمة، ولا ندري أننا نستنزف كل الطاقة الباقية لدينا، ولا تتبقّى لنا طاقة لأي شيء آخر.

نعلمُ اليوم أن كثيرين منّا لم يعُد يشعر بالجوع أو بالعطش، ليس لأنه يتحمّل ذلك أو يجد ما يأكله في السرّ، بل لأن معدته قد ضمرت حتى فقدت أعصابُها الإحساسَ بالجوع والعطش. يصيبهم الجفاف، ويسقطون، وهم يبتسمون! يمكنك أن ترى جلودنا التي انكمشت إلى بعضها، وشحبت، ولو فحصتَها أكثر فستجدها قد تشقّقت من اليبوسة والجفاف. لا تحاول أن تلمسها لئلا تتهرَّى بيديك.

وإذا كنتَ طبيباً متدرّباً في التشريح، فيمكنك أن ترى جثث من أهلكه الجوع منّا. ولو شققت مريء أحدِهم فستجد فيه الفطريات التي أكلتْ مريئه، فجعلت أي لقمة صغيرة يبتلعها كأنها الأشواك المدبّبة.

لم نعُد نشتهي الطعام، ولم يعُد للشم وظيفةً. فليس حولنا وردة، ولا خضرة، ولا رائحة شواء، ولا دخان نار رطبة. بل إننا نشدّ على أنوفنا بكل لثام حتى لا نشم رائحة الموت الساقط علينا كل ساعة.

المرض يجتاح أطفالنا، ويسمّم أجسامهم الصغيرة. ولم ينجُ أحدٌ من الإسهال، أو الاستسقاء، أو الطفوح الجلديّة. وأمّا حكاية بناتنا مع الجوع ومضاعفاته، فتلك حكاية هائلة نستحي أن نقولها.

كنا نتعزّى بالكثير من الصبر، والثبات، والتكافل. لكننا اليوم نهلك تماماً، ونتساقط وحدنا في الطرقات. ولا ندري كيف تضربنا الغيبوبة، أو متى تسكت قلوبُ كبارنا فجأة!

أيها الناس! لم يكن فينا خمولٌ ولا كسلٌ يوماً. لكن ما تبقى من عضلاتنا لا يكاد يقوم، ولا يتجمّع. نحن لم نعُد نشعر بالوقت من حولنا، ولم نعد نشعر كثيراً بمن حولنا. فهذا الجوع يقتل مشاعرنا، ويحبط قدرتنا على التواصل والتفاعل، ويرمينا في الكآبة.

أسهل المشاعر اليوم عندنا هو أن تغضب بلا سبب تعرفه، لأن ألف سبب لا تعرفه يدفعك إلى الغضب دفعاً.

كنتُ أمازح صديقي الثابت المهدود، الذي تعاني بناته من سوء التغذية، بمزحات ثقيلة. فهي الوحيدة التي تجعل عضلات وجهه الشاحب المسوّد ترتفع قليلاً لتضحك. فأقول له: إن أجسادنا تصلح أن تكون سماداً لهذه الأرض التي احتملتنا دهراً، ولن يكون موتنا هباءً يا صديقي… فهذه الأرض تحمل جيناتنا النقيّة، وستثأرُ، بل حبّة رملٍ امتصّت رحيقَنا اليومَ!

الوسوم

غزة الصبر طوفان الأقصى الجوع
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي المدونات

20 سبتمبر 2026

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي

ويأتي هذا الملتقى ضمن سياق طبيعي لإعطاء التراث السويداني حقه من الدراسة والتأمل والتفحّص بعين خبراء وأكفّاء الأمة، وبالأخص رفاق السويدان وتلامذته ومحبيه، كما يُسهم في تثمينٍ مسار اتسم بالعمل المستمر، والالتزام بقضايا الأمة، والحرص على ربط المعرفة بالسلوك، والفكر بالواقع، والمبادئ بالمواقف، في زمن تشتدّ فيه الحاجة إلى ذلك! 

اقرأ المزيد
ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.