المدونات

ضبط الإيقاع.. الأصول والقواعد

إبراهيم العسعس 17 مارس 2025 3 دقائق قراءة 16 مشاهدة

النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نضَّر الله وجه مَن سمع مقالتي فبلَّغها كما سمعها...".
يبدو أن الكثيرين لم ينتبهوا إلى: "فبلَّغها كما سمعها..."، فظنُّوا أنها إذنٌ مُشرَعٌ بلا أقفال ولا ضوابط! فصاروا -لكونهم يسمعون ويحفظون ويطالعون ويُخزِّنون- يظنُّون أنهم أصبحوا ربانيين وحكماء وأحبارًا، لا يختلف أحدهم عن أبي بكرٍ رضي الله عنه؛ إلا بفضل الصُّحبة، ولا يفوقهم الشافعي رحمه الله إلا بالشكل والاسم!
مِن أهم مشاكلنا: اختلاط الوظائف، وتداخل الاختصاصات، وعدم معرفة الحدود التي علينا أن نقف عندها، فنحن -وبحكم ثقافة التخلُّف- نظنُّ الوقوف مَنقصة! ونرى الإحالة على مَن رَسَخَ في تخصصٍ ما مَسَبَّةً!
هناك فِرقٌ للمعرفة داخل المجتمع، ولا ينبغي لفريقٍ أن يتطفَّل على عمل فريقٍ آخر؛ هناك مَن يحفظ، وهناك مَن يستطيع البحث عن المعلومة، وهناك مَن يستطيع الفهم، وهناك مَن يستطيع التصرُّف في حدودٍ بسيطةٍ، وهناك مَن يستطيع الربط وإيجاد العلاقات والتنزيل على الوقائع، وهناك الاستراتيجي (الرباني)... وأنا هنا أتحدث عن كل التخصصات وعن كل وظائف الحياة ولا أخصُّ!

ومِن أعجب العجب أنك تجد مَن يَتورَّعُ عن القول في مسائل أنهكها العلماءُ بحثًَا، حتى إذا جاءت القضايا الخطيرة والنوازل الحاسمة؛ التي لو عُرضت على الاستراتيجي الأول -أعني أبا بكرٍ رضي الله عنه- لرجف فؤاده، ولتقطَّر عرَقه، ولجمَع علماءَ أهل بدر! لقال فيها قولاً يَرى أنه قولُ جهيزةَ التي كانت عادةً تقطعُ قولَ كلِّ خَطيبٍ!

وأنا هنا لا أتحدث عن مغرِضين مفسدين يريدون شرًّا، ويبغون فتنةً... كلَّا... بل عن المُخلِصين أتحدَّث، عمَّن قرأ وطالع وراجع وحفظ ونجح في التبليغ، وأصبح ممَّن يُشار إليه بالبَنان... لكنه لم يتضلَّع ولم يرسخ، ولم يمرَّ بكتابِ أصولٍ، ولم يَهضم القواعد، ولا يمتلك مَلكاتِ الفهم والربط وتحقيق المَناط -أي تنزيل النصوص أو السوابق على الوقائع أو اللواحق- ولم يُوهَب ذكاءً يؤهِّله لهذه الوظيفة، ولم يطَّلع على أحوال الدنيا، فلا يعرف كيف يفكر الآخرون، وكيف يُخططون… ومع كل هذا فيه غفلةٌ نَمَتْ لديه، نتيجةَ التدينِ الخاطئ، ويُخزِّن في عقله مجموعةً متناثرةً مِن المعلومات غيرِ المرتبة، والتي لا يعرف مِن أين جاءت، وكيف جاءت! وتشتمل ثقافته على منظومةٍ مِن (عِلل التديُّن) التي تنعكس على خياراته وقراراته!
كل هذه المُكونات جُمعت ووضعت في خلَّاطٍ، وكانت النتيجة: كوكتيل (فريق معرفة) في رجلٍ يعرف كل شيءٍ، ولا يفهم شيئًا! يعرف مِن كل قُطرٍ أغنيةً، ومِن كل بُستانٍ وَردةً! لكنه لا يُطرِب، وورودُهُ لا تصنعُ بستانًا مُنسجِمًا!
كان ابنُ تيمية رحمه الله، الذي جمع علومَ الأولين والآخرين بين عينيه، والذي يقول فيه مؤرخ الإسلام الذهبيُّ رحمه الله: (الحديث الذي لا يعرفه ابنُ تيمية فليس بحديثٍ)، كان هذا الكبيرُ إذا احتاجَ لِمعلومةٍ مِن دقائق علمِ الحديث في الرِّجال أو خِلافِهِ يَرجعُ إلى المِزِّي رحمه الله، وهو تلميذه!

الوسوم

الفاعلية الاستراتيجية علوم الحديث معركة بدر أبو بكر الصديق
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي المدونات

20 سبتمبر 2026

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي

ويأتي هذا الملتقى ضمن سياق طبيعي لإعطاء التراث السويداني حقه من الدراسة والتأمل والتفحّص بعين خبراء وأكفّاء الأمة، وبالأخص رفاق السويدان وتلامذته ومحبيه، كما يُسهم في تثمينٍ مسار اتسم بالعمل المستمر، والالتزام بقضايا الأمة، والحرص على ربط المعرفة بالسلوك، والفكر بالواقع، والمبادئ بالمواقف، في زمن تشتدّ فيه الحاجة إلى ذلك! 

اقرأ المزيد
ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.