قضية الشهر

ما بعد الحركات الإسلامية؟

عبد الرزاق مقري 11 سبتمبر 2018 3 دقائق قراءة 182 مشاهدة

تعيش الحركات الإسلامية مرحلة صعبة، ربما تكون الأصعب منذ نشأتها قبل قرابة قرن من الزمن، لقد ظلت تلك الحركات تراوح مكانها قبل الانتفاضات العربية الأخيرة، فلم تجد مسلكا لحل المعضلة السياسية في البلاد العربية، بالرغم من أنها استطاعت أن تصبح القوة الشعبية الأولى والأساسية بعد عقود من الكفاح والعمل الإصلاحي الشامل لم تقدر على تخليص بلدانها من أنظمة شمولية فاسدة ورديئة، وبعضها عميل للمصالح الأجنبية، استعملت الحركات الإسلامية في مجملها كل أدوات التغيير التقليدية ولم تصل إلى إصلاح الأنظمة العربية، بل أصبحت تلك الأنظمة تستمد قدرتها على البقاء من وجود وقوة الحركات الإسلامية إذ باتت تخيف بها القوى الخارجية والداخلية المكينة التي تعارض الإسلاميين اعتراضا وجوديا، فتنال الدعم السخي من أجل البقاء.

وعندما بلغ اليأس مداه تغيرت موازين القوة تغيرا مفاجئا بحدوث الانتفاضات الشعبية سنة 2011 ووجد الإسلاميون أنفسهم أمام انتخابات حرة ونزيهة أوصلتهم إلى الحكم وإلى مؤسسات الدولة المختلفة ضمن ظرف لم يرصدوه ولم يعدوا أنفسهم له ولم يكن في حسابهم، وكثير منهم فسر هذا الفتح بأنه منحة من السماء نظير كفاحهم الطويل وبعد أن بلغ بهم اليأس مبلغه، وكثيرا ما قرؤوا في ظل الظروف الجديدة قوله تعالى في سورة يوسف: "حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)"، غير أن هذا التغير المفاجئ جاء بويلات كبيرة في العديد من الدول العربية تسببت فيها الحركات المضادة للثورات الشعبية،فدُمرت بلدان بأكملها وسالت الدماء وديانا، وشُرِّد الناسُ بالملايين وسُجنوا بالآلاف، ودخلت الأمة في معارك طائفية مدمرة،وظهرت تحالفات إقليمية ودولية باتت تهدد جغرافيا المنطقة كلها.

واستغل الصهاينة الظرف ليبرموا تحالفات غير مسبوقة مع أنظمة عربية باعت مقدساتها ودينها وذمتها وشعوبها وخيرات بلدانها من أجل الملك والسلطان وتعبيرا عن الحقد الدفين تجاه الحركات الإصلاحية السنية الوسطية وبسبب خوف مصنوع من التمدد الإيراني.

لقد كان من آثار هذا الوضع المعقد الجديد بروز خلافات شديدة داخل الصف الإسلامي وصل إلى حد التشرذم والانقسام، ومن ذلك ما حدث داخل حركة الإخوان المسلمين في مصر، وكان من نتائج ذلك كذلك دخول الإسلاميين عموما في حالة من الحيرة الشديدة،وضياع الفاعلية والتردد وغياب معالم مشروع جديد يتناسب مع التطورات الجديدة، إلى حد أصبح بعض المفكرين يتحدثون عن "ما بعد الحركات الإسلامية"، فكيف نقرأ هذه التطورات؟ وهل هذا الوضع السيئ ينبئ عن عيوب أصيلة في الحركة الإسلامية لا يمكن استدراكها؟ مما يجعلنا نسلم بنهاية الحركة الإسلامية؟ أم أنها أوضاع جديدة عادية لم يتهيأ لها الإسلاميون، وإنهم يملكون القدرة على التطور والتجديد بما يجعلهم قادرين على الاستدراك والاستمرار لتجسيد رسالتهم العالمية الخالدة؟
... يتبع ...


د. عبد الرزاق مقري

الوسوم

ملف الشهر المدونة الحركات الإسلامية
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي المدونات

20 سبتمبر 2026

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي

ويأتي هذا الملتقى ضمن سياق طبيعي لإعطاء التراث السويداني حقه من الدراسة والتأمل والتفحّص بعين خبراء وأكفّاء الأمة، وبالأخص رفاق السويدان وتلامذته ومحبيه، كما يُسهم في تثمينٍ مسار اتسم بالعمل المستمر، والالتزام بقضايا الأمة، والحرص على ربط المعرفة بالسلوك، والفكر بالواقع، والمبادئ بالمواقف، في زمن تشتدّ فيه الحاجة إلى ذلك! 

اقرأ المزيد
ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.