المدونات

ما يفتقده الشباب مِن سيرة رسولنا

روضة علي عبد الغفار 8 نوفمبر 2019 4 دقائق قراءة 278 مشاهدة

في وحشة الطريق ومصاعب الحياة، وهموم الليل وقسوة النهار؛ نحتاج إلى نور يهدينا، إلى علامات تُرشدنا، إلى ربوة نستلقي عليها وكلمة تطمئننا، نتطلع إلى نفسٍ هادئة قوية تستقبل صِعاب الحياة بثبات، وتَـقلُـب أحوالها بتَأني، نفسٌ تَلقـى في صبرها وقوتها ما لا يلقاه غيرها لأن قدوتها ليست كغيرها، ومرجعيتها فريدة متفردة.

في وحشة الطريق ومصاعب الحياة، وهموم الليل وقسوة النهار؛ نحتاج إلى نور يهدينا، إلى علامات تُرشدنا، إلى ربوة نستلقي عليها وكلمة تطمئننا، نتطلع إلى نفسٍ هادئة قوية تستقبل صِعاب الحياة بثبات، وتَـقلُـب أحوالها بتَأني، نفسٌ تَلقـى في صبرها وقوتها ما لا يلقاه غيرها لأن قدوتها ليست كغيرها، ومرجعيتها فريدة متفردة.

وإن مرحلة الشباب على زهوها وطاقتها وعنفوانها؛ إلا أنها صعبةٌ يملؤها السقوط والنهوض، حالمةٌ تملؤها الأماني العريضة والأحلام المستحيلة، صادمة تحتك بواقع الحياة وقسوتها، ففيها اختبارات الحياة الحقيقية، وبها بداية تَحمُل المسئولية على هذا الظهر الصغير، فهي بداية والبدايات صعبة.

وإننا نحتاج من سيرة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- الكثير والكثير ونفتقد الاقتداء به في يومياتنا وأخلاقنا ومعاملاتنا، ولكن أشد ما يفتقده الشباب حقًا هو نفسية قوية كنفسية رسولنا في مواجهة الحياة، إن الشباب مع ما يلقى من تحديات فإن أكثر ما يتأثر به هو نفسه ونفسيته، فبها يواجه الحياة ويلقى حُلوها ومُرها، وبها يعامل الناس منهم الطيب والخبيث، وبها يجلس إلى نفسه كل ليلة ليحاسبها، فالنفسية بها نشقى أو نسعد، فمهما ثقلت الأعباء وتكاثرت الهموم طالما النفس قوية وهادئة فلا بأس ولا هَمّ.

وفي ذكرى مولده -عليه الصلاة والسلام- نجدد العهد بسيرته وسنته، ونذكر أنفسنا بعزمه وصبره وقوة نفسيته في شبابه ونبوته. 

اعتكاف وتربية نفسية

تقول السيدة عائشة رضي الله عنها "ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فيتَّعَبُّدُ فِيهِ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقّ"ُ، فكان الرسول يختلي بنفسه لينقطع عن مشاغل الحياة ومخالطة الخلق، ويستجمع قواه الفكرية ومشاعره الروحية، وإحساساته النفسية ومداركه العقلية؛ تفرغًا لمناجاة مبدع الكون وخالق الوجود.

فكان في ريعان شبابه يحب الجلوس إلى نفسه والتأمل بها، والخلوة هي من عوامل السلامة النفسية وقوتها، فهي تنير القلب وتزيل ظلمته، وتخرجه من غفلته وهفوته.

لذلك هي مهمة أشد الأهمية للشباب لفهم الذات وتربية النفس، للتأمل بالحياة وأهدافها، وللرجوع إلى العقيدة والفطرة كلما همت النفس بالشرود.

إن سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تزخر بالكثير وتنبض بالحياة رغم مرور السنين، وتلقى ذكراها في أنفسنا قلوبًا عطشة وأرواحًا ذابلة جارت عليها أحوال الدنيا وضياع الطريق، والعجيب أن الطريق واضح ومرسوم ولكن العين يغشاها الرمد فيضيع الطريق وتضيع المرجعية ونتوه في دوامة الجهل

يؤثر ولا يتأثر

كانت بيئة العرب قبل النبوة تزخم بمظاهر الجاهلية والعنصرية والفساد والانحلال، ومع ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم في شبابه مثالًا مضيئًا في عزوفه عما يتبعه أغلب الناس في بيئته، فلم يعبد الأصنام أبدًا وكان يقول للسيدة خديجة "أي خديجة.. والله لا أعبد اللات، والله لا أعبد العزى أبدًا"، ولم ينزع إلى نزعات الشباب ولهوهم وجلسات سمرهم وانحرافهم.

وإن الشباب يلقى في مختلف البيئات ما يدعوه إلى الانحلال والانجرار وراء أفعال الغالبية من الناس، لقد كان رسولنا في هذا أيضًا إلا أنه كان مُعرضًا عما تأباه فطرته، ومقبلًا على التحلي بالقيم والمبادئ السليمة ومنخرطًا في مجتمعه مع ما يناسبه. 

فكان في شبابه ذا أثر في مجتمعه ملقبًا بالصادق الأمين، فيختلط ويتجاوب مع ما يناسبه ويعزف عن ما لا يعجبه، فشارك النبي صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول، الذي اجتمعت به بعض قبائل مكة وتعاقدوا أن يكونوا يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم، وفيه قال النبي "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب لي به من حمر النعم ولو دعيت به في الإسلام لأجبت".

واشترك أيضًا في بناء الكعبة الشريفة، وعندما اختصمت القبائل في أي قبيلة تضع الحجر الأسود موضعه، رضوا أن يحكم محمد بينهم وقالوا عندما دخل عليهم: هذا الأمين قد ارتضيناه، فقال لهم: هلموا بثوب، ووضع الركن فيه بيده ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعًا، فرفعوه حتى إذا بلغوا موضعه فوضعه بيده الشريفة.. فكم نأمل بشباب يؤثر في المجتمعات ويندمج بها ولا يذوب فيها، يؤثر فيها ولا يتأثر بها.

صبر وإصرار على تحقيق الأهداف  

عندما زاد عناد الكفار في مجابهة الدعوة وأفضوا أمرهم إلى أبي طالب ليَكُف عنهم رسول الله، قال له سيدنا محمد "يا عم.. والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته".

هذا الإصرار على تحقيق الأهداف والغايات نفتقده اليوم في شبابنا، طالما الأهداف توافق مبادئنا وتخدم أمتنا وديننا فلا يثنينا عنها الجاهلون، ولا تفلتها منا المصاعب والأزمات والعوارض، بل نحمل نفوسًا قوية كقائدنا الأعظم، وصبرًا لا يتزعزع كصبره عليه الصلاة والسلام، يقول تعالى "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ".

إن سيرة سيدنا محمد تزخر بالكثير وتنبض بالحياة رغم مرور السنين، وتلقى ذكراها في أنفسنا قلوبًا عطشة وأرواحًا ذابلة جارت عليها أحوال الدنيا وضياع الطريق، والعجيب أن الطريق واضح ومرسوم ولكن العين يغشاها الرمد فيضيع الطريق وتضيع المرجعية ونتوه في دوامة الجهل، فيا شبابنا، يا مشاعلًا وسط العواصف الهوج، هذا هو النهج فاسلكوه. 

الوسوم

المولد النبوي السيرة محمد رسول الله
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي المدونات

20 سبتمبر 2026

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي

ويأتي هذا الملتقى ضمن سياق طبيعي لإعطاء التراث السويداني حقه من الدراسة والتأمل والتفحّص بعين خبراء وأكفّاء الأمة، وبالأخص رفاق السويدان وتلامذته ومحبيه، كما يُسهم في تثمينٍ مسار اتسم بالعمل المستمر، والالتزام بقضايا الأمة، والحرص على ربط المعرفة بالسلوك، والفكر بالواقع، والمبادئ بالمواقف، في زمن تشتدّ فيه الحاجة إلى ذلك! 

اقرأ المزيد
ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.