المدونات

وكلهم آتيه يوم القيامة فردا!

هبة خالد 17 ديسمبر 2025 2 دقائق قراءة 31 مشاهدة

(وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) آيةٌ إذا قرأتها، شعرتَ أن القرآن يمسك بيدك، ويوقفك في منتصف الطريق بين دنياك وآخرتك؛ ويريك حقيقتك بلا زينةٍ ولا ازدحام.

(وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) آيةٌ إذا قرأتها، شعرتَ أن القرآن يمسك بيدك، ويوقفك في منتصف الطريق بين دنياك وآخرتك؛ ويريك حقيقتك بلا زينةٍ ولا ازدحام. في الدنيا تتوكّأ على كتف، وتسند رأسك إلى سند، وتبحث عن رفيق، وتستدفئ بروحٍ تُشبه روحك. تهدي وقتك لمن تُحب، وتخسر شيئًا من جهدك لأجل مبتسمٍ يمرّ بقلبك، وتظنُّ في لحظاتٍ كثيرة أنّك لا تطيق نفسك وحدك، وأنّك إن تُركتَ بلا أنيسٍ تَهوي.

ثم يأتي القرآن، فيكشف لك السِّتر: أنك مهما أوغلتَ في الناس، ومهما ذررتَ عمرك في سعادتهم، فإنك آتيه يوم القيامة وحدك. تسير في صخب ذلك اليوم، فلا يسمع خوفَك أحد، ولا تُمسِك يدَك يد، ولا يدنو إليك صوتٌ يعرفك أو يسأل: كيف أنت؟

كأنما يُفرش لك الطريقُ على شقَّين: شقٌّ من الدنيا، تمشي فيه بالصحبة، تُشارك، وتُعطي، وتتناول من أكفّ الآخرين ما يقيم صلب عيشك. وشقٌّ آخر، ذلك المسيرُ الذي لا يشبه طرق الدنيا؛ مسيرُك إلى موقف العرض، يوم تُدعى باسمك وحدك، وتُسلَب عنك الأيدي التي أمسكتك طويلًا، ويُكشَف ما أخفيت، وتبقى وحدك أمام ما قدّمت يداك.
طريقٌ لا يرافقك فيه قريب، ولا ينهض معك صديق، ولو كان أقرب إليك من نفسك؛ فثَمَّ مقامٌ لا يحتمل إلا واحدًا: أنت وعملك. وهناك، بعيدًا عن زحام الوجوه، تُسقط عنك الأسماء والهيئات، فلا يبقى معك نسبٌ تستند إليه، ولا قناعٌ استعرتَه يومًا لتبدو كغيرك.
كم مرّة رأيتَ نفسك ظلًّا لغيرك؟ وكم مرّة التحفتَ عباءةَ أهلك كي تهرب من ضعفك؟ وكم مرّة تمنّيتَ أن تكون “فلانًا”، فعشتَ طَوْرًا بلسانه وطوره، حتى حسبتَ أنّ حقيقتك هي ما تمنّيتَ لا ما وُهِبت؟ لكن حين تلتفت إلى شقّ الطريق الآخر، ترى أنك لا تشبه أحدًا؛ كلّ ما ظننته شبهًا لم يكن إلا قشورًا ألصقتها بنفسك، فظلّت قشرة، ولم تُصبح جلدًا.

إنه من لطف الله وكرمه أن يذكّرك بهذه الفردية؛ لئلا تَفنى في الناس، ولئلا تُسرف في التضحية حتى تُسلم رقبتك للفراغ، ولئلا تذوب في غيرك ذوبانًا يودي بك إلى يومك ذاك ضعيفًا، خاسرًا لمعركتك الوحيدة: معركة نفسك.

هذه ليست دعوةً للأنانية، بل دعوةٌ إلى الإبصار؛ أن ترى نفسك كما هي، وتُقيمها كما يحب الله، وتجعل منها أصلًا ثابتًا تُنبِت منه خيرًا للناس جميعًا، لا فتاتًا تعبث به الرياح، ولا ظلًّا يتبع خطى الآخرين دون أن يكون له أثر. اللهَ اللهَ في نفسك، فأنتَ وحدك من يعبر ذلك الجسر، وأنت وحدك من سيقف، وأنت وحدك من سيُسأل، وكلُّنا — مهما ازدحمنا في الدنيا — آتيهِ يوم القيامة فردًا.

الوسوم

التدبر العمل الصالح الآخرة القرآن الكريم الحياة الدنيا سورة مريم
مشاركة f X

مقالات ذات صلة

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي المدونات

20 سبتمبر 2026

عطاء نصف قرن.. ملتقى افتراضي عن أثر الدكتور السويدان في العالم الإسلامي

ويأتي هذا الملتقى ضمن سياق طبيعي لإعطاء التراث السويداني حقه من الدراسة والتأمل والتفحّص بعين خبراء وأكفّاء الأمة، وبالأخص رفاق السويدان وتلامذته ومحبيه، كما يُسهم في تثمينٍ مسار اتسم بالعمل المستمر، والالتزام بقضايا الأمة، والحرص على ربط المعرفة بالسلوك، والفكر بالواقع، والمبادئ بالمواقف، في زمن تشتدّ فيه الحاجة إلى ذلك! 

اقرأ المزيد
ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار المدونات

28 فبراير 2026

ما منهجيّة تفعيل القرآن في واقعنا؟ مع المفكر نايف بن نهار

هو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟

اقرأ المزيد

ابدأ رحلتك مع عمران نحو المعرفة والأثر

اكتشف برامج عمران، مقالاته، وفعالياته المصممة لمساعدتك على تحويل المعرفة إلى عمل.