وجهُ الدولِ الغربيةِ مُسودٌ كالحٌ، كان ولا يزال كذلك، ولا ينافسُه في اسوداده وكلاحته سوى وجه الدول العربية والإسلاميةِ ومؤسساتِها الإقليمية والدولية لموقفِها المخزي تجاه حرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها جيش العدوان الصهيوـ أمريكي ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفَّة، إلى جانب اعتداءات وعربدات أخرى في بلدان أمتنا.
أمسَى لسانُ تلك الدول أخرسَ، لا ينطق بشيء عن حقوق الإنسان الفلسطيني المحتلةُ أرضه في تقرير مصيره، ولا عن حقه في الدفاع عن نفسه، ولا عن مجرد حقه في الحياة؛ فقط يتكلمون ليل نهار عن وجوب إخلاء سبيل عشرات قليلة من أسرى الكيان لدى المقاومة! أما ضحايا القصفِ، والجُوع، والعطش، والتشريد، والأمراض، والذين تقتلهم أسلحة "التحضر الغربي"، أما هدم المباني، والمشافي، والمدارس، والمساجد، والكنائس، وتجريفُ المزارع، والشوارع، وقصف خزانات المياه، وتدمير كل مظاهر الحياة والبيئة في غزة (البيئة التي يدافعون عنها ويقولون إنها في خطر)، وأما أحكامُ القانون الدولي الإنساني الذي وضعوه بأنفسكم ووقعوها عليه في أربع اتفاقيات بعد الحرب العالمية الثانية؛ فهذا كله لا يعني هؤلاء الأباعد، ولا أولئك الأقارب في شيء.

ومع ذلك لا يزالون يظهرون في لباس آدمية: بدلات فاخرة، ورابطات عنق، وأحذية... إلخ، وكلها تشبه ما يرتديه الآدميون! لو كنتم حقاً كذلك لأبديتم التعاطف مع ضحايا الإبادة الجماعية في غزة ـ مجرد التعاطف ـ وأنتم تطالبون بإطلاق أسرى العدو عند المقاومة. أشعروا أنفسكم أنكم بني آدميين ولو مرة واحدة فقط. ولكن أنَّىَ ذلك للصوصِ الأوطان، والحضارات، وعبيد المال، والمقاولاتِ، والأهواء، والشهوات؟ أهؤلاء حقاً من البشر؟

هنا أقدم لك أدلة نصية تثبت لصوصية الغرب "المتحضر"! وسرقته أهم مبادئ القانون الدولي الإنساني من تراث أمتنا الفقهي والحربِي، وكيف وضعها هذا "الغرب" في مواد اتفاقيات جنيف الأربعة الموقعة في سنة 1949م؛ ولكنهم لا يطبقونها إلا فيما بينهم، أما إن تعلق الأمر بغير شعوبهم فلا قيمة لها؛ بل رأى العالم أنهم يلاحقون قضاة "المحاكم" الدولية فقط لأنهم طلبوا التحقيق فيما ارتكبه العدو من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
اعلم أولاً: أنَّ أمجاد أمتِنا في الفقه، وإرساء قواعد الحق، والعدالة، وحقوق الإنسان على جميع المستويات، في الحرب والسلم؛ هي أعظم من أمجادنا في الحرب، والفتح، والانتصارات العسكرية. وأن عظماء أمتنا في هذا الميدان كثيرون، وكان منهم في العراق وحده ــ على سبيل المثال لا الحصرــ الإمام أبو حنيفة النعمان (توفي سنة 150هـ / 768م)، وسفيان الثوري (توفي 161هـ / 778م)، وتلميذ أبي حنيفة محمد بن الحسن الشيباني (الذي ولد بواسط عام 132هـ، ونشأَ في الكوفة، وتوفي سنة 189هـ / 806م)، وهو صاحب كتاب "السِّيَرِ الكبيرِ"؛ وهو المرجع الأكثر شهرة وذيوع صيت على المستوى العالمي إلى اليوم؛ حتى إن بعض المنصفين من علماء الغرب قد اعترفوا بفضله، وقام هانز روسه ـ أحد علماء القانون الدولي ـ في سنة 1955م بتأسيس جمعية باسمه هي "جمعية الشيباني للقانون الدولي" (وللأسف لم يظهر مثلها في العالمين العربي والإسلامي).
ثم تعالى ننظر في نصوص اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949م، المتضمنة لأغلب قواعد القانون الدولي الإنساني (لها ثلاثة برتوكولات ملحقة بها، اثنان سنة 1977م، وثالث سنة 2005م)؛ وهي ــ في جملتها ــ ما درجت اللجنة الدولية للصليب الأحمر على تسميتها باسم "القانون الدولي الإنساني"، لكن أعمالها التحضيرية، ولا مذكراتها التفسيرية، أو التعليقات اللاحقة لها، لم تكشف عن مصادر مواد هذا القانون، اللهم إلا بعض المعاهدات السابقة التي وقعتها الدول الأوربية نفسها فيما بينها في خلال القرن التاسع عشر إلى نهاية الحرب العالمية الثانية. ولا إشارةَ من قريبٍ أو من بعيد إلى المصادر الإسلامية التي أخذوا منها عدد كبير من أهم نصوص هذه الاتفاقيات. وأكشفُ لك هنا عن بعضها ونردها إلى أصولها.

جاءتْ تعاليم الإسلام في هذا الشأن قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام من اتفاقيات جنيف، وعلَّم المسلمون البشرية أن الحرب، وإن كانت ضرورة، فإنها تقدَّر بقدرها، وأنها يجب أن تتسمَ بالرحمة، وتلتزم بمكارم الأخلاق، حتى مع الأعداء المحاربين، انطلاقاً من وجوب تكريم الإنسان دون تمييز؛ إذ الجميع سواسية، وكلهم لآدم، وآدم من تراب.

قال تعالى: [ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً] (سورة الإسراء: آية 70).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [كلكم لآدم، وآدم من تراب. لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى].
وفي تفسير الإمام فخر الدين الرازي المسمى "مفاتيح الغيب"، تجده يقول دون تكلفٍ: إن [النَّفسَ الإنسانية أشرفُ النفوس في هذا العالم، والبدنَ الإنساني أشرفُ الأجسام في هذا العالم].
انتظر الغرب ما يزيد عن ألف وثلاثمائة وخمسين عاماً حتى اكتشف هذا المبدأ، وأدرجه في اتفاقيات جنيف؛ حيث نصت المادة /3 ـ وهي مادة مشتركة ـ في اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م، على أنه: [يُحظر على أطرافِ النزاعات المسلحة: أعمال العنف ضد الحياة والشخص، والاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص التَّحقير والمعاملة المزرية].
كما نصت على المعنى ذاته المادة /27 من اتفاقية جنيف الرابعة، فيما يتعلق بحماية الأشخاص المدنيين في الأرض المحتلة.
فبمَ يُسمى ما يراه العالم يومياً في غزة، وفي أرجاء عالمنا الإسلامي، على يد قوات العدوان الصهيوـ أمريكي/ الأوربي؟؟
لم تعرفْ البشرية قبل الإسلام أن للحربِ أخلاقيات واجبةَ الاتباع في مواجهة الخصوم والمحاربين، إلا استثناءً. وكان المتحاربون يأتون على الأخضر واليابس، ولا يميزون بين محارب وغير محارب، ولا بين طفل وفارس، ولا بين عاجز أو عابد، ولا بين شجر وحجر، تماماً كما يفعل المعتدون الصهيوـ أمريكان في بلدان أمتنا اليوم.

مع الانطلاقة الأولى للجند الإسلامي، خاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بما أصبح منارة للبشرية لتعرف أن للحرب أخلاقاً ومبادئ، تتلخص في قوله صلى الله عليه وسلم لمن تولوا إمارة الجند: "انطلقوا باسم الله، وعلى بركة رسوله؛ لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً صغيراً، ولا امرأة، ولا تغلوا (أي لا تخونوا أو تنهبوا)، وأصلحوا وأحسنوا، إن الله يحب المحسنين".

وعلى النهجِ ذاته جاءت وصايا أبي بكر الصديق إلى قائد الجيش الإسلامي المتجه إلى بلاد الشام: [لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة. ولا تعقروا نخلاً، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون على قوم أفرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما أفرغوا أنفسهم له]. ثم أضاف ليزيد بن أبي سفيان قائلاً: "ولا تقاتل مجروحاً، فإن بعضه ليس معه". أرأيت السبب: إن بعضه ليس معه!! وليس من الشهامة، ولا من المروءة، أن تقاتل شخصاً هذا حاله! على حد ما سجله ابن جرير الطبري في كتابه: تاريخ الرسل والملوك.
تلك الأخلاقيات الإسلامية أعادوا صوغها في مواد القانون الدولي الإنساني المعاصر فقط عندما نظم البروتوكول الأول لعام 1977م، الملحق بأحكام اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م، وهذا البروتوكول خاص بقواعد الحماية العامة للسكان المدنيين، والأعيان المدنية، والأعيان الثقافية، وأماكن العبادة، والأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، وذلك ضد أعمال القتال. ومن ذلك النصوص الآتية:

  • نصت المادة 51 من البروتوكول المذكور على أن: "السكان المدنيين لا يجوز أن يكونوا محلاً للهجوم".
  • ونصت المادة 53 على أن: "الأعيان الثقافية، وأماكن العبادة، لا تكون محلاً للهجوم أو الردع".
  • وكذلك نصت المادة 54 على أنه: "يُحظر مهاجمة أو تدمير المواد الغذائية، والمناطق الزراعية، والمحاصيل، والماشية، ومرافق المياه، (...) التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين".

انظر الآن: أليست هذه النصوص محاولة للتعبير عن بعض ما ورد في وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم، ووصايا أبي بكر الصديق التي أوردناها؟ وقارن بتلك المبادئ الخسةَ، والنذالة، والوضاعة، التي يقاتل بها العدو الصهيوـ أمريكي المقاومين في بلاد أمتنا!
وغداً أو بعد غد نلاحقُ اللص، ونكشف بعض ما سرقه منَّا.