استضاف صلاح الدين الأيوبي في خيمته أسرَاه من قادة الصليبيين: الملك جفري، وأخاه، والبرنس أرناط، وسقاهم "الجلاب المثلج... جرياً على مكارم الأخلاق" (النوادر السلطانية لبهاء الدين بن شداد).
أكملُ لكَ ما بدأتُه في المقال السابق من كشف بعض ما سرقه اللصُّ الغربي "الحداثي" من تراثِنا الإنساني، ونسبَه لنفسه، وقصر تطبيقه على شعوبِه.
في معاملة الإنسانية للأسرى:
كان أسرى الحروب قبل الإسلام يلاقون أسوأَ معاملة، ولا يتمتعون بأي نوع من الحماية، بل كانت الحروب والصراعات المسلحة مصدراً رئيسياً للاسترقاقِ ورواج أسواق النخاسة والعبيدِ.
وبمجيء الإسلام عرفتْ البشرية أنَّ الأسرى يجبُ أن يعاملوا معاملة إنسانيةً تحفظ حياتهم وكرامتَهم. وبدل أن تكون الحربُ مصدراً للاسترقاق، فتح الإسلامُ الباب من خلالها للتحرر والانعتاق، ونصت آيات القرآن الكريم على ذلك في آيات فك الرقبة.
وقال تعالى: "ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً"، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد: 4).
وقرر الفقهاء أنه لا يجوزُ أخذُ الأسرى إلا إذا كانت الحرب مشروعةً، وفي حالات الدفاع عن النفسِ. وعلى هذا الهدي سار قادة المسلمين في معاملتهم لمن وقعَ في أيديهم من الأسرى من جيوش الأعداء. ومن ذلك، على سبيل المثال:
ما فعله صلاح الدين الأيوبي، محرر الأقصى وقاهر الصليبيين؛ حيث روى كاتبُ سيرته ومعاصرُه بهاء الدين بن شداد، في كتابه "النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية"، أنَّ الناصر صلاح الدين رحمه الله كان: [يحسنُ معاملةَ الأسرى، ويخصُّ البارزين منهم بحسنِ المعيشة، وخلعِ الثياب عليهم. وعندما أحضر الناس قتلاهم بعد المعركة، وكنتُ حاضراً ذلك المجلس (بهاء الدين بن شداد)، أكرمَ رحمه الله المتقدمينَ منهم، وأخلَعَ على مقدمي (قادة) عسكر الإفرنسيس فروةً خاصَّة، وأمر لكل واحد من الباقين بفروةٍ خرجيةٍ لأنَّ البردَ كان شديداً. وحين كانت المعركة تنتهي باستسلام الطرف الآخر، كان ينفذُ شروط الاستسلام بدقةٍ، بل ينفذها وفقاً لمصلحة المستسلمين أكثر مما تتطلبه الشروط أحياناً (هل كان صلاح الدين من مقاومة غزة وهم يسلمون الأسرى، أم الصحيح أنهم هم الذين خرجوا من عباءته؟!). وحين يدفع الأسرى فداءَهم، يرسلُ من يحرسهم حتى يصلوا إلى مأمنهم. وبعد أنْ فتح الله عليه بالنصر والظَّفر، جلس السلطان صلاح الدين الأيوبي في دهليز الخيمة (...) فرحاً مسروراً، شاكراً لما أنعمَ الله عليه. ثم استحضرَ الملك جفري وأخاه، والبرنس أرناط، وناول الملكَ جفري شربةً من جلاب بثلجٍ، فشرِب منها، وكان على أشد حال من العطش. وكان من جميل عادة المسلمين وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكلَ أو شرب من مال من سرّه صار آمناً. فقصدَ السلطانُ بذلك الجري على مكارم الأخلاق]... "مكارم الأخلاق" مع أسرى الأعداء!!
مثل هذه المعاني أدرجها واضعوا اتفاقيات جنيف في نصوص المادة /27 من الاتفاقية الثالثة الموقعة في 12 أغسطس سنة 1949م، ليزينوها بها، وليطبقوها فيما بينهم فقط! وهي خاصة بمعاملة الأسرى، ونصها الآتي:
[تزود الدولةُ الحاجزةُ أسرى الحرب بكمياتٍ كافيةٍ من الملابس، والملابسِ الداخلية، والجوارب، بحيث تكون ملائمة لجو الإقليم الذي يقيم فيه الأسرى. وإذا كانت كساوَى قوات العدو المسلحة التي تقع في يد الدولة الحاجزة مناسبةً لجو الإقليم، يصير استعمالها لكساءِ أسرى الحرب.]
وأشارت المادة /16 من الاتفاقية نفسها إلى أنَّ المعاملة الأفضل يجب أن تمنح بسبب الحالة الصحية للأسير، أو وفقاً لعمرِه، أو مؤهله، أو مهنته. وتطبيقاً لذلك، نصت المادة /44 من الاتفاقية ذاتها على أنه: [يجب معاملة الضباط ومن في حكمهم من الأسرى بالاعتبارِ الواجب لرتبهم وسنهم]. والعالم كله سمع ورأى كيف ضحى الآسرون بأرواحهم لحماية أسراهم من العدو الصهيوـ أمريكي في غزة.
في لمِّ شمل الأسر وحماية النساء والأطفال:
اعتبر الإسلام أنَّ الأسرةَ هي اللبنة الأساسيةَ في المجتمع الإنساني/الإسلامي. ولما كانت الحروبُ تنطوي عادةً على احتمالات كبيرة لتصدع أركان الأسر، فقد حرص الإسلامُ على استمرار تماسك الأسرة، وتوفير الحماية للنساء، والأطفال، والشيوخ، والعاجزين بصفةٍ عامة.
ومن ذلك ما ذكره ابنُ أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، أنَّ من وصايا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه لقادة جنوده في الحربِ، قوله لهم: [إذا هزمتموهم، فلا تقتُلوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريحٍ، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيلٍ، ولا تهتكوا ستراً، ولا تدخلوا داراً إلا بإذنٍ، ولا تأخذوا من أموالِهم شيئاً، ولا تعذبوا النساء بأذى، وإن شتمنكم وشتمن أمراءَكم. واذكروا الله لعلكم ترحمون.]
أرأيت!. وإن شتمنَكم وشتمن أمراءكم!!!
وهذا آدم ميتز، في كتابه "الحضارة العربية في القرن الرابع الهجري"، يقول: "عندما استولى الخليفة العباسي المعتصم بالله على أحد حصون أرمينيةَ عنوةً بعد معركة دموية، أمر ألا يُفرَّق بين أعضاء العائلاتِ التي وقعتْ في الأسر".
ولم تتنبه الدول الأوربية "المتحضرة!!!" إلى هذا الرقي في المعاملةِ إلا بعد سلسلة طويلة من الحروب والانتهاكات البشعة لحقوق الإنسان، وتمزيق شمل الأسر، وقتل الأطفال، والنساء، والعجائز، في الحروب.
وأخيراً، وفي سنة 1949م، صاغوا المادة /82 من اتفاقية جنيف الرابعة، مما جاء به الإسلام بشأن حماية المدنيين وقت الحرب، على النحو الآتي:
[يقيم أفرادُ العائلة الواحدة، وعلى الأخصِّ الوالدان والأطفال، معاً طوال مدة الاعتقال في معتقلٍ واحد (...) ويجوز للمعتقلين أنْ يطلبوا أخذ أطفالهم غير المعتقلين، والذين يُتركون دونَ رعاية عائليةٍ، ليُعتقلوا معهم. ويقيم أفرادُ العائلة الواحدة المعتقلون ـ كلما أمكنَ ـ في نفس المبنى، ويُخصص لهم مكان إقامة منفصلٌ عن باقي المعتقلين، مع التسهيلات اللازمة للمعيشةِ في حياة عائلية.]
كما نصت المادة /74 من البروتوكول الأول، الملحق سنة 1977م باتفاقيات جنيف الأربعة، على جمع شملِ الأسر المشتتة نتيجة المنازعات المسلحة. ونظّم هذا البروتوكول وسائل استخدام القوة العسكرية، وقيود هذا الاستخدام، على نحو لا يخرج عما ورد في وصايا علي بن أبي طالب. ومن مواد هذا البروتوكول:
- المادة 41، التي نصَّت على أنه: "لا يجوز أن يكونَ الشخص العاجز عن القتال محلاً للهجوم. والمعروفُ أن الأسرى والجرحى يعتبرون عاجزين عن القتال".
- والمادة 76، التي نصَّت على أنه: "يجب أن تكونَ النساءُ موضع احترام خاصٍّ، وأن يتمتعن بالحمايةِ، ولاسيما ضد الاغتصابِ، والإكراه على الدعارة".
في تحريم المثلة بقتلى الحرب وتجريم الأعمال الثأرية:
حرَّم الإسلام المُثلة (وهي التنكيل بجثث القتلى وإهانتها)، وجرَّم الأعمال الثأرية أثناء الحربِ، وبخاصة ضد الآمنين من السكان المدنيين.
روى السرخسي في شرح كتاب "السير الكبير" لمحمد بن الحسن الشيباني ــ صاحب أبي حنيفة ــ أنَّ عتبة بن عامر الجهني حمل إلى الخليفة أبي بكر الصديق رأسَ أحد القتلى من المشركين، فغضبَ أبو بكر لذلك، وكتبَ إلى قواده آمراً لهم: [لا يُحمل إلى رأسٌ، وإلا بغيتم ـ أي جاوزتم الحد للتشفي ـ ولكن يكفيني الكتاب والخبر.] أرأيت!!! (أكرر العجب بـ"أرأيت"، كما يكررها إمام مسجدنا وخطيبه المفوه الدكتور حامد أحمد العفيفي... حفظه الله).
ونقرأُ في كتاب "تاريخ الرسل والملوك" لابن جرير الطبري: أنَّه عندما اضطر الخليفةُ الأموي معاويةُ بن أبي سفيان ــ رضي الله عنه أنْ يأخذَ من الروم رهائن كشرط من شروط معاهدة الصلح معهم، ضماناً لغدرهم، غدروا به، ولكنه لم يثأر من الرهائن التي بين يديه، بل رد عليهم الرهائن قائلاً: [إنَّ مقابلةَ الغدر بالوفاء خير من مقابلة الغدر بالغدر] أرأيت!!!
وفي كتابِ "فتوح البلدان" للبلاذري، نقرأُ أنَّه: عندما وفد قوم من أهل سمرقند على الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، وشكوا إليه قتيبةَ بن مسلم الباهلي؛ حيث دخلَ مدينتهم غدراً، وأسكن فيها المسلمين، وشتَّت أسرَهم، فكتب عمر إلى واليه في الولاية المجاورة، وأمرَه بأن يرفعَ شكواهم إلى القاضي الشرعي، فإن ثبتت الواقعة، يأمرُ بإخراج المسلمين من سمرقند. [وقام القاضي جُميعُ بن خاطر بتحقيق الواقعة، وأمر بإخراج المسلمين من المدينة.]... أرأيت!!!
وبعد قرونٍ متطاولة، أدرجوا تلك المبادئَ الإسلامية في اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، التي نصَّت على حظر المعاملة الثأرية ضد ضحايا النزاعات المسلحة. وجاءت المادة /20 من البروتوكول الأول لعام 1977، المكمل لأحكام اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، تقول لك إنه: [يُحظر الردع ضد الأشخاص والأعيان].
بينما حظرتْ المادة /49 من الاتفاقية الرابعة: [قيامَ دولة الاحتلال بترحيلِ السكان المدنيين، سواء فردياً أم جماعياً، من الأرض المحتلة. كما حرَّمت على دولة الاحتلال أن تقومَ بنقل بعض سكانها المدنيين إلى الأرض التي احتلتها.]... أرأيت ما فعله ويفعله العدوان الصهيوـ أمريكي في بلدان أمتنا!!
إن ما ذكرناه ليس إلا أمثلة تُثبتُ أن أصولَ معظم قواعد القانون الدولي الإنساني المعاصر إسلامية صِرف. ولعل الجانب الأهم من ذلك هو أنَّ الخبرة الإسلامية لم تعرف ازدواجية المعايير في تطبيق تلك القواعد والمبادئ المتعلقة بحماية كرامة الإنسان وصيانة حقوقه، مثلما فعلت ــ ولا تزال تفعل ــ القوى الغربية بأبناء شعوب أخرى غير شعوبها.
ومع ذلك، لا تستحي أن تدّعي تلك القوى التحضر والانتماء للآدمية.