العيد.. والمنتقمون من رمضان

ظاهرة اجتماعية  أخذت تنتشر في بعض مدننا، تشهدها الأيام الأولى من أيام عيد الفطر، وتتمثل في حركة خروج  مجموعات شبابية وكهول، محدودة عدد الأفراد، نحو  فضاءات غابية وجبلية قريبة لقضاء يوم أو يومين، يذبحون فيها  كل سمين  من الخرفان  التي أعدّوها للغرض، لينعموا بالشواء والمصلي والمطبوخ، في الطبيعة مباشرة، تعويضًا لما فاتهم من اللذات، وكأنهم ينتقمون من جوع رمضان  وعطشه، بهذا يدشنون موسم الإفطار، وشعارهم: كلٌ يعيّد ويفرح بالعيد على طريقته!

 الفرح الاجتماعي.. تَشَاركٌ  

الفرح الاجتماعي في أن يكون الفرح  تشاركيًّا وعامّا، يظلل كل البيوت، ويدغدغ كل النفوس ويطرق كل القلوب، لتنتشر البسمات على الشفاه، وتنسحب دموع  الحزن من العيون، وذلك بألا نحتكر البهجة بالعيد على مستوى الأسرة بل نحرص على أن  نهتم  بنصيب الآخرين في البسمة  وحقهم في السرور بالعيد .
لهذا  ارتقى هذا  الشعور وهذا العمل إلى قمة خير الأعمال عند الله عز وجل فيما رواه الطبراني  قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنّ أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الفرائض: إدخال السرور على المسلم، كسوتَ عورته، أو أشبعتَ جوعته، أو قضيتَ حاجته".
وسُئِلَ الإمام مالك : "أي الأعمال تحبّ ؟" فقال: "إدخال السرور على المسلمين، وأنا نَذَرتُ نفسي أن أُفرِّج كُرُبات المسلمين".

مجتمع  التراحم والفرَح الاجتماعي..

 مدح الله سبحانه مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم، مجتمع التأسيس، مجتمع الأسوة، بقوله: "رحماء بينهم " وبقوله: "أذلّة على المؤمنين"، بقوله: "و يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة "، و قوله: "ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا  إنما نطعمكم لوجه الله".

هو مجتمع إنساني بأتم معنى الكلمة، لا يشعر المواطن فيه بالغُبْن ولا بالحرمان، ولا ترهقه غربة نفسية ولا اجتماعية، ولايتأذّى  بقهْر أيًّا كان نوعه، يحسّ فيه الفقير بأنه غنيٌّ بتراحم إخوانه المواطنين، ويشعر فيه الضعيف بأنه قويٌّ باهتمام إخوانه به ودعمهم له، والمظلوم بأنه منصور، والمحتاج بأنه مكفيٌّ.

انظر إلى ذلك الموقف الرائع يوم استضاف أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ضيفا وأراد أن يكرمه ويدخل السرور عليه وكان طعامه قليلا، فأطفأ المصباح وتصنّع هو وزوجته  أنهما يأكلان حتى انتهى ضيفهما من طعامه وشبع، وإذا بالقرآن ينزل ليسجل حادثة هي قليلة في أعين الناس ولكنها  كبيرة في ميزان المروءة والمواطنة الحقة، لذا رفع الله درجتها، فجعلها تلاوة أبدية ترددها الأجيال فقال: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة".  
إنهم فضلوا اشباع بطن ضيفهم على اشباع بطونهم، وقدموا سرور صاحبهم المسلم على سرور ذواتهم،  وقد نعمت ذواتهم بنوع آخر من السرور هو أعلى وأكبر.
وأروعُ من ذلك موقف أبي بكر رضي الله عنه الذي قال: كنا في الهجرة وأنا عطشان جدا، فجئت بمَذقَة لبَن فناولتها للرسول صلى الله عليه وسلم، وقلت له: اشرب يا رسول الله، يقول أبو بكر: فشرب النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى ارتويتُ (أنا)!! أبو بكر هو العطشان والرسول الله هو الذي شرب اللبن، والبطولة هي أن يشعر هو العطشان بالارتواء، بينما النبي هو الذي شرب!
هم فعلوا ذلك  لأنهم وثقوا وتيقنوا في عظيم الثواب والأجر الآخروي، فعن عائشة رضي الله عنها قالت  قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدخل على أهل بيت من المسلمين سرورا لم يرض الله له ثوابا دون الجنة."
و عن أنس رضي الله عنه قال قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "مَن لَقيَ أخاهُ المُسلِمَ بِما يُحِبّ لِيَسُرَّهُ بِذلك، سَرّهُ اللّهُ عزّ وجَلّ يومَ القِيامةِ."

العيد.. وتنمية الفرح و المحبّة الاجتماعية

العيدُ  فرصة  لتنمية المحبة والفرح الاجتماعي والحث على العطاء والبذل و الصدقة فيه تخفيفًا من معاناة الفقراء والمعوزين كما قال الشاعر:
هذا هو العيدُ فلتَصْفُ النفوس به *** وبَذْلُكَ الخيْرَ فيه خيرُ ما صنَعا
أيامه موسمٌ للبرّ تزرعُه *** وعند ربّي يُخبّي المرْءُ ما زرَعا
تعهّدُوا الناسَ فيه:من أضرَّ به *** ريْبُ الزمان ومن كانوا لكم تبَعَا
وبدّدُوا عن ذوي القرْبى شجونهمُ *** دعــَا الإلهُ لهذا والرسولُ معَا
وَاسُوا البرايَا وكونوا في دياجرهم *** بــدْراً رآه ظلامُ الليل فانقشعا
نسأل الله أن يجعلنا ممن يساهم في توسيع وإثراء مساحة  الفرح والمحبة والسلم الاجتماعي، وأن نظلّ مفاتيح للخير، مغاليق للشر.