انتهت المعركة التي استمرت ثلاثة عشر يومًا بين الاحتلال وإيران، وفي ظاهرة غير مألوفة أعلن الطرفان انتصارهما في تلك المعركة، وألقى كلٌّ من الولي الفقيه (مرشد الثورة الإيرانية) ورئيس حكومة الاحتلال بياني نصر، كلٌّ منهما مخاطبًا جماهيره محتفلًا بالنصر الذي تحقق. وبين شعبوية الخطابين، والتجاذب الحاصل على وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي، نحاول هنا أن نستقرئ: من هو المنتصر فعلاً؟ وهل هناك أصلًا منتصر في هذه المعركة؟

سنبدأ بالمعتدي، دولة الاحتلال، والتي من خلال كلام رئيس حكومتها وبعض وزرائها نستطيع أن نفهم الأهداف التي حددوها لهذه الحرب، ولنرَ هل فعلاً تحققت تلك الأهداف أم لا.
تدمير البرنامج النووي الإيراني، وتدمير قدرات إيران العسكرية، وتغيير نظام الحكم في إيران، فهل تحقق ذلك؟

لنبدأ بالبرنامج النووي: في الضربة الأولى التي بدأ بها الاحتلال المعركة، قُتِل عدد من علماء البرنامج النووي الإيراني، وعُرِضت بعض التفاصيل، ولكن لم نتأكد فيما إذا كان هؤلاء من علماء الصف الأول أم لا، وهل تحييدهم كافٍ لإيقاف تقدّم البرنامج النووي أو استحالة الاستمرار به.

ثم قبل انتهاء المعركة ببضع ساعات، قصفت أمريكا المفاعلات النووية الثلاثة، وبعد أن أعلن ترامب عقب الضربة مباشرة أن هذه المفاعلات انتهت، بدأ نقاش آخر، حيث لم يستطع أحد أن يؤكد أو ينفي فعليًا تدمير البرنامج النووي الإيراني، وعلقنا في دوامة تحليلات سياسية في معظمها  -وليست تخصصية- حول فكرة أن إيران استطاعت تهريب كل شيء من تلك المفاعلات، بما في ذلك طرود اليورانيوم المخصب، ولكن دون أن يستطيع أحد تأكيد أو نفي ذلك أيضًا.

حاول ترامب في البداية أن يُسكت كل الأصوات الأمريكية التي تقول إنه لا تأكيد على أن البرنامج النووي انتهى، بما فيها صوت رئيس الاستخبارات الأمريكية، ولكن لم يكن ذلك ممكنًا في دولة ديمقراطية، ولعجز صور الأقمار الصناعية عن إثبات ذلك أيضًا، لجأ الأمريكيون إلى مقاطع تشرح القوة التدميرية للقنابل التي أُلقيت على تلك المفاعلات النووية، وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إلا أن تكون جميع المواقع قد دُمِّرت بالكامل.

ولكن ماذا عن ادعاء إيران بأنها نقلت كل شيء إلى أماكن آمنة، وأنه يمكن الاستمرار في البرنامج النووي في مواقع أخرى مجهزة؟ لا يوجد شيء مؤكد حتى هذه اللحظة، وأظن أننا سنرى نشاطًا استخباراتيًا عاليًا في إيران في الفترة المقبلة لكشف الحقيقة، ولو أنني أعتقد أن حتى مسؤولين في الدولة الإيرانية على أعلى المستويات من الممكن ألا يملكوا تلك المعلومة لحساسيتها وخصوصًا في هذه المرحلة، أو تقييم الضرر الحاصل في البرنامج النووي ومدى إمكانية التقدّم فيه بالسرعة السابقة أو حتى الاستمرار فيه.

إذًا، فلا يوجد شيء مؤكد حتى الآن عن البرنامج النووي الإيراني، وكل الاحتمالات واردة، وهذا سيبقى سرًّا تحرص إيران على إخفائه عن الجميع ما استطاعت، وخصوصًا في فترة المفاوضات التي أظن أنها ستستمر وقتًا طويلًا...

النقطة الثانية تتعلق بالقدرات العسكرية الإيرانية، وهل فعلًا دُمِّرت كما يدّعي رئيس حكومة الاحتلال. سأبدأ هنا من حيث انتهت المعركة: عشرة صواريخ أرسلتها إيران على قاعدة العديد الأمريكية في قطر، وإن كانت إيران قد أبلغت قطر وأمريكا بالضربة مما مكّن من اعتراض تلك الصواريخ وإسقاطها في البحر، فإنها كانت رسالة واضحة من إيران بأنها ما زالت قادرة على إيصال صواريخها إلى نقاط تسبب ضررًا وأذى للأطراف الأخرى، وإن كانت لا ترغب بذلك، لكنها لو شعرت بالخطر فلن يوقفها شيء عن إيصال صواريخها إلى أي مكان.

في أول يومين من المعركة، كانت القبة الحديدية قادرة على منع وصول الصواريخ الإيرانية إلى الأرض وتسبيب الأذى، ولكن مع كثافة الضربات الإيرانية عجزت القبة الحديدية عن إيقاف ذلك الكم الهائل من الصواريخ التي انهالت فوقها، ووصل عددٌ قليل منها إلى الأرض، ولكنه كان كافيًا لإلحاق أضرار حقيقية في الداخل الإسرائيلي، سواء في الأرواح أو الممتلكات، لم يشهدها الاحتلال منذ حرب الاستنزاف مع مصر في أواخر الستينيات من القرن الماضي.

إذًا، فرغم كل ادعاءات رئيس حكومة الاحتلال بأنهم أضعفوا القدرات العسكرية الإيرانية، فإن ذلك مجرد ادعاء كانت إيران حريصة على إثبات عكسه من خلال صواريخها التي أطلقتها قبل إيقاف المعركة بساعات قليلة. ومع ذلك لا يوجد دليل قاطع على حجم الضرر الذي تكبدته القدرات العسكرية الإيرانية، أو ما إذا كانت إيران قادرة على إعادة بناء ما دُمّر بسرعة في المرحلة القادمة.

أما النقطة الأخيرة فالإجابة واضحة: لم يتمكن الاحتلال من إسقاط نظام الحكم في إيران، وألقى الولي الفقيه (مرشد الثورة الإيرانية) خطاب النصر بنفسه أمام الجماهير، مدعيًا أن العدو تم سحقه وأن الشعب الإيراني انتصر على أعدائه.
نقطة أخرى ربما راهن عليها الاحتلال، هي حالة الاحتقان الداخلي في إيران ضد نظام الحكم القائم، هذا النظام الذي قمع ثلاث احتجاجات شعبية عارمة خلال العشرين سنة الأخيرة، لكن رهان الاحتلال فشل، لأنه لم يدرك أن الشعب الإيراني وإن كان يكره نظام الحكم القائم، فإنه يكره أكثر أن تُعتدى أرضه وتُقصف بلاده من عدو خارجي..

إذًا، لم يسقط نظام الحكم في إيران ولم يحقق الاحتلال هدفه.

أما الانتصار الإيراني فلم تُحدد له معايير واضحة، وكانت عباراته عامة، تتضمن التفاخر بما تم إنجازه في تلك المعركة ضد العدو المعتدي.

ولو نظرنا جيدًا لوجدنا أن إيران لم تكن ترغب أصلًا في هذه المعركة، وقد تحمّلت الكثير من الخسائر في السنتين الأخيرتين تجنبًا منها لأي صدام مباشر مع الاحتلال، ورغم قتل ابنها المدلل حسن نصر الله، الذي كان من أهم شخصيات المشروع الإيراني الذي منح إيران السيطرة على لبنان، ودرب الميليشيات العراقية التي ساعدت إيران على إحكام نفوذها في العراق، وكان له دور محوري في الدفاع عن نظام بشار الأسد في سوريا، فإن إيران تجرعت السم ولم تقم بأي رد فعل تجاه اغتياله من قبل الاحتلال، واكتفت بتأبينه. وقبله اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس السابق إسماعيل هنية في طهران، وقبل ذلك اغتيال علماء البرنامج النووي، إلا أن إيران أيضًا تحملت تلك الضربات وآثرت عدم الرد.

لكنها وجدت نفسها أمام تهديد وجودي بعد استهداف الاحتلال لشخصيات عليا في الجيش والبرنامج النووي، فردت على الضربات، وألحقت بالاحتلال أضرارًا واضحة جعلته يعيد حساباته بشأن الاستمرار في تلك المعركة. ولو نظرنا إلى الأمر من هذه الزاوية، فسنجد أن إيران خرجت بضرر أخف مما كان يخطط له الاحتلال، وما كان يظن أنه يستطيع تحقيقه، لكن هل هذا كافٍ لاعتبارها منتصرة في الحرب؟

المستقبل القريب والمتوسط سيجيب عن هذه الأسئلة:

ستكون هناك حمى استخباراتية عالية لكشف نتائج الحرب الحقيقية، كما ستقوم إيران بحملة شرسة ضد عملاء الموساد على أراضيها في محاولة لكشفهم والتعامل معهم لتدارك الاختراق الأمني الذي ظهر جليًا في بداية المعركة. وبعيدًا عن المعايير التي وضعها كل طرف لاحتفاله بالنصر، يبقى سؤال مهم جدًا لم يذكره أيٌّ من الطرفين: هل هذه الحرب هي الإعلان الرسمي عن انكفاء إيران داخليًا، ونهاية المشروع التوسعي القائم على الأساس الطائفي في المنطقة، وبداية تحالف جديد إسرائيلي–إماراتي لقيادة المنطقة تحت المظلة الأمريكية؟

برأيي، جواب هذا السؤال أهم بكثير من معايير النصر التي وضعها كل طرف، وهو ما سيرسم ملامح منطقة الشرق الأوسط ربما لعقد كامل من الزمن، منهيا بذلك عهد إيران الذي بدأ منذ سقوط العراق برعاية أمريكية خالصة، والتي على ما يبدو غيرت وجهتها ولم تعد ترى في إيران شريكًا موثوقًا في هذه المرحلة.

هذه قراءة بسيطة للحدث، وتبقى معاناة أهلنا في غزة وفلسطين مستمرة، والتي لم تتوقف منذ قرابة سنتين حتى اليوم، راجيًا الله سبحانه وتعالى الفرج القريب العاجل عنهم، وعن كل بلادنا الحبيبة، إنه أكرم مجيب.