لعل من أبرز الجمل التي كنا نرددها في صغرنا هي عبارة (حب الوطن من الإيمان)، عبارة راسخة تتكرر معانيها في نفس كل إنسان، فالوطن يتعدى من كونه وسط نعيش فيه، لعلاقة وطيدة تجمع الكثير من المشتركات والعادات واللهجات، ففي حيز الوطن يتكون رابط عميق يتجذر منه مفهوم قوي ألا وهو مفهوم المواطنة، هذا المفهوم الذي يزعم البعض على أنه مصطلح مستحدث جديد، ويفند البعض الآخر بكونه مفهوم قديم متجذر وأصيل، من خلال برنامج بيان للناس سيجيبنا دكاترة أفاضل على كل ما يتعلق بالمواطنة في الإسلام. 

«من صفة شعورية إلى التزام التعاقد».. كيف تطور مفهوم المواطنة؟ 

هناك مصطلحاتٌ جديدة في المجتمعات الإسلامية، تُناقش بشكل عنيف، منها مصطلح (المواطنة)، كأن المواطنة لم تكُن سابقة، وكأنها دخيلة في المجتمعات الإسلامية، فكيف يفهم العلماء والفقهاء مفهوم المواطنة في الفكر الإسلامي المُعاصر؟
د. نور الدين الخادمي: المواطنة أصيلة في الإسلام، وليست دخيلة، أصالتها في معنىً يتعلقُ بمفهومها وأُسسها وجريانها في الواقع الحديث ومجريات الأمور، فالمواطنة هي على وزن المفاعلة، نسبة إلى الوطن، فهُناك وطن فيه مُفاعلة وطنية ومشاركة شعبية، أي أن المواطنين ينتمون إلى هذا الوطن على أساس الرابطة الوطنية، وعلى أساس مضمون هذه الرابطة الوطنيّة، فالمواطنة هي الانتماء إلى الوطن على أساس هذه الصفة باستحقاقاتها ومقتضياتها، فالدولة المواطنية تستوعبُ جميع مواطنيها ومواطناتها، مع تعدد انتماءاتهم العرقية والدينية.
وقد تطور مفهوم المواطنة لما كانت تُطلق في البداية على صفة يحوزها المواطن، ضمن حقوقٍ معينة، تطورت إلى أن أصبحت رابطةً قانونية، فهي موضوع يؤطره القانون.

 ثم تحولت بعد ذلك إلى الطابع التعاقُدي، أصبحت عقدًا؛ بمعنى الالتزام بجميع المواطنين، وإلزام المواطنين الدولة بمراعاة طبيعة استحقاقاتها، إذن؛ المواطنة انطلقت من صفة شعورية، يشعرُ بها الإنسان في انتماءاته إلى موطنه وإلى موضع بلده وأجداده، ثُمّ أصبحت رابطة - بمعنى الأصالة الروحية-، ثُمّ تطورت إلى التعاقُد -بمعنى الالزام والالتزام-، ضمن المؤسسة القانونية، فما الفرق بين تعريف المواطنة عند المسلمين وغير المسلمين؟المواطنة عند المسلمين وغيرهم، فيها المشترك الحقوقي والتعاقدي والأخلاقي والمدني بين المسلمين وغيرهم، وهذا المشترك في الوعي والفهم، أن ينتمي الجميعُ إلى وطن واحد -مع اختلاف أديانهم- هذا أيضًا مُشترك، فالمواطنة مشترك بين الانسانية بين الشعوب، ومشترك في جانب المؤسسات والإجراءات، المسلمون ينفتحون على غيرهم في موضوع المؤسسات المتعلقة بالمواطنة، وغير المسلمين عليهم أن ينفتحوا على المسلمين في الجانب المؤسساتي والانتاج الحضاري.
 لذلك تحدث العُلماء في الداخل الإسلامي عن مفهوم المواطنة الّذي يتطور بتطور الزمان وبتطور الشعوب، وكلما تطورت الشعوب في الحريات العامة والشراكة، وفي اتجاه انفتاح الحاكم على الشعب، وفي اتجاه الاستقلالية والسيادة، فكلما تطور الشعوب بهذا المستوى وبهذه المسارات؛ تطورت فكرة المواطنة، ولذلك المواطنة هي قرينة الديمقراطية والحرية والكرامة والعدالة، وقد تحدث العُلماء عن أُسس لهذه المواطنة، وأبرزُ هذه الأُسس:

  1. التعاقد الرضائي: وهو أن ينبع من إرادة حقيقية حُرة ليس فيها إكراه ولا استبداد، وتتمحور حول الرابطة التعاقدية كالاجتماع الإنساني في الوطن الواحد، وهو عقد مُركب وعقد كبير، كعقد التجارة والزواج، فيه إرادة وقبول، ففي البيع؛ تبادُل للمنافع، وفي الزواج؛ إنشاء الأُسرة، والبناء الوطني من خلال التعمير والاستقلال والصحة.
  2. تلازم الحقوق مع الواجبات: كُلّ حقٍ يقابله واجب، هذا على المستوى الاجتماعي والإنساني، انطلاقًا من العقيدة الإسلامية والّتي تقول بأن الحَق يقابله واجِب، فالله من حقه أن نَعبدهُ ومن حقنا أن نُرزق وأن نجزى على هذه العبادة، ولذلك الحق في الاسلام يرتقي إلى العقيدة والشريعة والانتظام والطبيعة الحقوقية.
  3. الانتظام ضمن الدولة: أي الولاء للدولة واحترام دستورها. 

المواطنة لها مفهومان، مفهوم في الداخل الإسلامي لغير المسلمين بمرجعية إسلامية، ومواطنة المسلمين في الدولة غير الاسلامية، وهذا شكل آخر من أشكال المواطنة ضمن مفهومها الواسع والمحافظة على رابط المواطنة، الّذي هو احدى متطلبات الدولة الحديثة.

«روعة الهدي النبويّ».. المواطنة مساهمةٌ في نهضّة الأمة

ما هو التأصيل الشرعي لموضوع المواطنة؟
د. علي الصلابي: "هناك من قال من العُلماء، أن جذور المواطنة تمتد  إلى الجنة: (إنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى)، فهذه المرحلة الأولى.. وكان فيها السَكن وكان الأكل والشراب والسِتر، وهذه من حقوق المواطن، فمفهوم المواطنة جذور ممتدة بامتداد الإنسان، فالوطن الأول الّذي كان يسكنه؛ هو الجنة، المرحلة الثانية: (اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ). 
أي الأرض كلها كانت موطن سيدنا آدم -عليه السلام-، ثُم مع التكاثُر البشري  الطبيعي، وتشكيل المُدن، أصبح الإنسان بعد ذلك يميل إلى تلك القرية، حتى تشابكت الأصهار والأنساب والمصالح الاقتصادية والاجتماعية. ثُمّ بعد ذلك خرج الفيلسوف  الكبير(أفلاطون) وقدّم رؤية في مفهوم المواطنة، عندما تحدث عن الأحرار من اليونانيين، عن العبيد والمرأة، ثُمّ  تطور هذا المفهوم حتى أصبحت الدولة القومية.

الحلقة الثانية من برنامج بيان للنّاس| المواطنة

أما مفهوم المواطنة عند المسلمين فبه بُعد إنساني، ولذلك  لما انتقل نبينا صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كان هُناك مشركون ومنافقون وبعض من النصارى وأُناس من بنيو قاع وبنو قريظة وبني النظير، وهؤلاء يهود من حيثُ المعتقد ومن حيثُ المرجعية للتوراة بالنسبة لليهود في تلك الفترة، فنبينا صلى الله عليه وسلم من خلال وثيقة المدينة أعطى حق المواطنة لساكنيها، من خلال الدفاع عن أعراضهم، وعن أموالهم وحقهم في التديُن، ومفهوم المواطنة في المدينة، مفهوم راقي، يختلف عن مفهوم أفلاطون، فهو أعطى المواطنة لليوناني الأصيل، أما في المدينة فقد كان هُناك مواطنة فارسية؛ وهو مواطن، ومن أصولهم حبشية؛ وهم مواطنون، ومن عقيدته نصراني؛ وهو مواطن، ومن عقيدته اليهودية، وهو مواطن، ومشرك ومنافق؛ وهو مواطن.


 وبالتالي الجانب الإنساني وروعة هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فات وفاق النظرية الأفلاطونية، والنظرية القومية في المواطنة، وفي العصور الوسطى حتى أصبحت جذّابة إلى يومنا هذا. 

وجاء من العلماء المعاصرين، من أصّل لهذه الفكرة وجمع بين فكرة المواطنة أمثال الشيخ: عبد الحميد بن باديس -رحمه الله-، حتى نَظر وتحدث وتكلم عن مفهوم المواطنة من خلال الممارسة العملية، في تقديم ما يُمكن تقديمه من خير لشعبه في مجال اللغة العربية المُرتبطة بالقرآن الكريم وفي مجال الحضارة الاسلامية، واعتبر كل ما يقوم به في المواطنة؛ قُربة إلى الله ومساهمة في نهضة هذه الأمة، ونظر لهذا المفهوم مجموعة من العُلماء، واعتبروها قيمة إسلامية لها أُصولها التشريعية من زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

المواطنة.. «من تقدمٍ في العمران إلى سجنٍ للحقوق» 

هل تؤدي مفاهيم المواطنة إلى تأصيل الدولة القومية والّتي سببت مشاكل كثيرة للأمة الاسلامية، ألا يُمكن أن ترسخ هذه المفاهيم لدى الأمة الإسلامية؟
 د. أحمد الريسوني:
تعتبر المواطنة تقدمًا بشريًا في العُمران البشري، لكنها تتجه إلى أن تُصبح سجنًا، تسجنُ حقوق وحركة الشخص، فيما يسمى وطنه وجنسيته، حتى ترتبط المواطنة بالجنسية، فلا يجب أن ننسى حقوق المواطنة على وجه الكرة الأرضية، فهذا هو وطن البشرية، فاليوم القوانين والجنسيات القومية والوطنية والاقليمية؛ تَحُد من مواطنة الإنسان في الكرة الأرضية، فالله أعطانا الأرض وأنزلنا إليها وأصلحها ثُمّ قال لنا: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا).


 صحيح أن المواطنة بها مكاسب كثيرة وتقدم كبير للجغرافيا، ولكنها تتجه نحو تضييق فالبعض عاش في إحدى الدول ويقولون: هذا مواطن وذاك مُقيم، إذن المُقيم ليس مواطنًا، وهذا متواجد في عدد من الدول الإسلامية، وقد يكون هذا الّذي يُسمونه مُقيمًا من دولة مُجاورة، وقد يكون أقام في البَلد 20 سنة، لكنه ليس مواطنًا؛ لأن جواز سفره يشمل على خواتيم السفر. 

من هُنا نجد أن هناك تضييق لدائرة المواطنة، فهناك مواطنة بشرية، وأخرى أرضية، فلا يجب باسم المواطنة أن نضيق على العباد، الإنسان يعيش 30 أو 40 سنة  في البلد الإسلامي وهو مُسلمًا، ولا يكتسب حقوقًا ولا يسمى مواطنًا، وإنما لهُ عُشرَ حقوق ما يسمى مواطنًا، فمفهوم المواطنة مفهوم متطور ويجب أن لا يكون تطوره عكسيًا، وهناك تطور داخلي لحقوق المواطنة وهناك تطور عكسي، فهي مفهوم نسبي ومَرن، يتعلق بوعي البشر واستعداداتهم ورغباتهم، ويجب علينا أن نحافظ على هذا الاتجاه الإيجابي البّناء للمواطنة، وألا يصبح هذا المعنى سجنًا وتضييق لحرية البشر.

النضج السياسيّ و«الإدارة بالتوافق»

يبدو أن التجربة التونسية متطورة نوعًا ما.. بما يخص المواطنة، فكيف نجحتم في بناء المواطنة بين التيارات المختلفة، يسارية وعلمانية وليبرالية وإسلامية، استطعتم أن تصلوا إلى فكرة المواطنة بين هذه التيارات؟
د. عبد المجيد النجار:
ضرورة الواقع هي الّتي أدت إلى ذلك، فلما قامت الثورة في تونس، وجد الناس أن شؤون البلاد ومشاكلها؛ لا يمكن أن تحلها مجموعة واحدة أو حزب واحد، ولهذا اجتمع الناس وتناقشوا فقد كان هناك نضج سياسي في تونس، وقالوا لا يمكن أن ندير البلاد إلا بالتوافق الّذي يجتمع فيه الجميع، ومن هناك قامت مشاورات طويلة سواءً بالبرلمان أو في نطاق المجتمع، وانتهى الأمر إلى تكوين وسن دستور جماعي شارك فيه الجميع وقام هذا الدستور بعكس معنى المواطنة.

مع تناسل القضايا الحياتية.. هل نحتاج إلى «تقصيد الفقه»؟ 

ماذا كنتم تقصدون بتجديد الخطاب الفقهي؟!
د. أحمد الريسوني: ندعو إلى تجديد العلوم الإسلامية كُلها، وهو تقصيد العلوم، أي تحديد المقاصد والإعلان عنها، بحيث من يتكلم في هذه العلوم ويُألِف بها ويتحدث بها، أن يتخذ تلك المقاصد معايير، وهذا وجه من وجوه التَجديد الأكثرُ حاجةً إلى التقصيد، لأن الفقه ليس مجرد انتاج أحكام، وقد أتوا العلماء قديمًا بطريقة الاستحسان وقالوا: لأن القياس أحيانًا يؤدي إلى شناعات، قياس شكلي وصوري وجامد يؤدي إلى غرائب لم تراعى فيه مقاصد الشريعة، ولا مصالح الناس ولا الرفق بهم، ولذلك قيل الإحسان؛ هو العدول عن القياس والأخذ بما هو أوفقُ للناس.
فتقصيد الفقه هو أكثرُ ما نحتاجه، وإن كنا نحتاجُ إلى تقصيد العلوم كلها، فإذن كل اجتهادٍ فقهي يجب أن يكون خاضعًا للمقاصد وأمامه مرآة المقاصد وقبله معيار المقاصد، وهذا ضرب من التجديد، وفقهنا؛ كلما رجعنا به إلى الوراء يكون أكثر مقاصديًا.
 ففي القرون الأخيرة صار الفقه تقليديًا وسطحيًا، فيجب أن يعود الفقه إلى أصله، إلى فقه عمر والصحابة، وهذا وجه من وجوه التجديد، مع إدخال عنصر المقاصد، وهو في حد ذاته سيغير كثير من الاجتهادات الفقهية، وأن يجتهد الفقه في قضايا العَصر الكثيرة جدًا، فهذه القضايا تتناسل على جميع الأصعدة في الحياة، وكل ما يقعُ في العالم نجده يقع عند المسلمين، فتطورات كثيرة، في نظام الأسرة وفي العلاقات الزوجية وفي حالة الأبناء والمعاملات المالية والسياسة الشرعية، فكم من الأجوبة يحتاجها الناس في قضايا عديدة. 
وإذا كانت الحياة تنتج من النوازل مئة نازلة في اليوم، فالفقه يحتاج لنازلة واحدة كُل شهر، وهذا تخلُف كبير يحتاجُ إلى استدراك، وكذلك الفقه القديم الّذي نحتاجُ إليه، يحتاجُ إلى صياغة جديدة دون التغيير في مضامينه، لأن الصياغة الجديدة تمنحنا لغة العَصر، فالفقه القديم لا يكادُ يحسنه الكثير، وهذه بعض الأوجه المهمة في الفقه، وبهذا الفقه يأخذ رسالته الحقيقية، لأن الفقه وضِع وجُعل لكي يحل مشاكل الناس.

 
لو كان هناك مجتمع إسلامي وفيه مواطنين غير مسلمين، هل يُمكن لهؤلاء المواطنين -من خلال الاختيارات الشعبية- أن يصلوا إلى منصب في الدولة، خصوصًا أن بعض المفكرين طرحوا هذا السؤال وأجازوه؟!

د. أحمد الريسوني: نُدرك تمامًا أن هذه قضية افتراضية؛ لأننا عندما نكون أمام مجتمع على دينٍ مُعين أو قومية معينة، وفيه أقليات فلا يُمكن إلا أن يكون انتخاب الناس، إذا كان حُرًا ونزيهًا، فالأغلبية ستُفرز واحدًا منها، ولذلك لم ينتخب أي يهودي أو أي بوذي لكندا أو الولايات المتحدة، اليهود لهم نفوذ كبير في الاقتصاد والإعلام، نفوذ كاسح، القضية افتراضية، هي فقط لفرض نوع من التحدي.
 ومع ذلك لم يصل أحدٌ منهم ولا نظن أن هناك من ترشح منهم، لذلك رئاسة الدولة في الإسلام هي رئاسة مدنية، فالخليفة له أُناس وهو يشرف على الأمور الدينية كما الدنيوية، فهي في الإسلام ليس وظيفة محضة، فلا يمكن أن يتولى غيرُ مسلم، وهذا منطق الأشياء، وإن كنا مسلمين في بلد يرأسه رئيس مسيحي، فلا يمكن أن نطلب هذا المنصب، ولذلك اليهودي أو المسيحي لا يمكن أن ننتظر منهم أن يدعموا الزكاة والصلاة. 

«صاحب الكلمة».. الدستور أم المُفتي؟  

في دولة شعبها مسلم، هناك دستور والمفتي أفتى بفتوة مخالفة للدستور، بالنسبة للمواطنين هل يتابعون المفتي أم الدستور هو الملزم لهُم؟

 د. أحمد الريسوني: إذا كان الدستور ينص على شيء ليس منافيًا للدين، فالحكم للدستور والقانون ولرئيس الدولة، والقاعدة تقول: حُكم الحاكم يرفع الخلاف، وحكم الدستور أكبر من حكم الحاكم، والفتوى غير ملزمة، فيلتزم بها من اقتنع بها، وليس لها إلزام قانوني، فالفتوى تبقى رأي، رغم أهميتها، كأي مفكر يقول رأي معارضًا للدستور، والدستور يبقى هو صاحب الكلمة وليس المُفتي.