وظيفتان للغة في معترك المقاومة والجهاد ضد العدوان والاحتلال الأجنبي: الأولى إيجابية، ونماذجها التطبيقية ممتدة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد مقاومة غزة وأبي عبيدة رحمه الله. والثانية سلبية، ونماذجها في أغلبيتها مطمورة في مخطوطات الكتب، ومدونات بعض الأدباء وبعض الشعراء.

الوظيفة الإيجابية للغة في المقاومة والجهاد تتركز في الحث على التضحية والتعبئة المعنوية والمادية لدحر العدوان، وهي وظيفة ليست بحاجة إلى مزيد بيان.

أما الوظيفة السلبية، فهي تتركز غالباً في السخرية من العدو، ونزع هيبته من النفس ، والحث على عدم الخوف منه. وهذه الوظيفة غالباً ما يحوطها الغموض والإلغاز، وغالباً ما يمارسها من لا يجد في نفسه شجاعة الجهر بمقارعة العدو وجهاً لوجه وبلا مواربة.

عبد الرحمن الجبرتي، ذلك المؤرخ ذائع الصيت، كان من الذين مارسوا الوظيفة السلبية للغة في مواجهة الحملة الفرنسية التي اجتاحت مصر واحتلتها ودنست الأزهر الشريف وحرقت ما فيه من كتب ومصاحف وفرش ودمرت قناديله وثرياته وربط جنودها خيولهم في قبلته وارتكبوا فيه كل الموبقات، على ما روى الجبرتي نفسه في كتابه "عجائب الأثار".

في منتصف ثمانينات القرن الرابع عشر الهجري(1965م من القرن الميلادي) اكتشف المستشرق "موريه Moreh" كراسة بخط يد الجبرتي كان قد دون فيها يومياته عن الشهور السبعة الأولى من الحملة الفرنسية على مصر(من أوائل المحرم سنة 1213هـ حتى نهاية رجب من السنة نفسها)، وهذه الكراسة محفوظة إلى اليوم في مكتبة جامعة ليدن بهولندا!!!. ولم يطلب أحد استردادها وحفظها في دار الوثائق القومية، أسوة بمطالبات استرداد القطع الأثرية المسروقة من بلادنا.

ومما سجله الجبرتي في تلك اليوميات، "نص منشور بونابرت" الأول الذي وزعه على المصريين غداة سيطرته على القاهرة. ولما كانت ترجمة منشوره إلى العربية ترجمة ركيكة، وعباراتها مفكوكة، فقد اغتنمها الجبرتي فرصة وراح يوظف معرفته باللغة والنحو والصرف ليتهكم من كلام بونابرت ويسترذله ويكشف ــ بينه وبين كراسته ! دون نشر ـ زيف الدعاوى التي تضمنها منشور نابليون .

فبعد أن أثبت النص الكامل للمنشور في كراسة يومياته، عقب الجبرتي كاشفاً ما فيه من زيف وادعاء وكذب نابليون، مستخدما "الإعراب التهكمي" (إن جاز التعبير) وسيلة لفضحه وكشف مستوره من وراء سطوره. ووضع عنوانا لتعقيبه هو:

" تفسير ما أودعه هذا المكتوب من الكلمات المُفككة والتراكيب المُلَعبَكة"

وكان هدفه هو دحض ادعاء بونابرت أنه يحترم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخدع المصريين لا أكثر .

. ومن نماذج "الإعراب التهكمي" الذي استخدمه في إعراب قول نابليون في منشوره " واحترمَ نبيه"، أعربها الجبرتي هكذا: "قوله واحترم نبيه، معطوف على ما قبله، عطفَ الكذب على الكذب؛ لأنَّه لو احترمه لآمن به وصدقه واحترم أمته".

أما ما جاء في المنشور من : " إن الفرنساوية هم أيضاً مسلمين"،(الصواب مسلمون)، فقد أعربه الجبرتي هكذا: "مسلمين صوابه الرَّفع، ونكتة العدول إلى النصب إشارة إلى أن إسلامهم نصب".

العجيب والمثير للريبة في آن واحد، أنَّ الجبرتي سجل تعليقاته وإعرابه التهكمي في دفتر يومياته، ولم تُنشر تلك اليوميات إلا بعد أكثر من مائة وخمسين عاماً من كتابتها، عندما عثر عليها موريه في مكتبة ليدن . كما سجلها أيضاً في كتابه "مظهر التقديس في زوال دولة الفرنسيس" الذي لم يحظ بالذيوع مثلما ذاع كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، الذي حذف منه جميع تلك التعليقات ومسح إعرابه التهكمي الذي كان كتبه في الشهور الأولى للحملة.

من المؤرخين من قال إن الإعراب التهكمي لمنشور نابليون إنما كتبه الجبرتي لنفسه ولم يكتبه ليذيعه على الناس، ولما نقَّح يومياته وأعدها للنشر في كتابه الجامع "عجائب الآثار.." حذفها إيثاراً للسلامة. وهذا دليل تاريخي على أن اللغة لا تؤدي وظيفتها في المقاومة إلا إن كانت جسورة ومباشرة وصادقة ومطابقة لحال من يستخدمها كما هو أبي عبيدة رضي الله عنه.