انطلاقًا من تبنّيه لمشروع "مركزية القرآن"، أي جعل القرآن هو المركز والبوصلة التي تحكم كل تصرفاتنا، وبها نقوّم مختلف مجالات حياتنا، وهو مشروع يهدف إلى تحويل الإيمان بالقرآن من مجرّد قناعة نظرية إلى واقع عملي يقود كافة مجالات الحياة، وتبعًا لذلك المشروع هناك منهجيّة فريدة ذكرها المفكّر القطري نايف بن نهار في آخر (بودكاست) له مع فداء الدين يحيى حول: كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟ وكيف يمكننا تثوير معاني القرآن وتفعيله في واقعنا؟ وقد ذكر عدة أمور يمكن تلخيصها في الآتي:
1. تصحيح تصوراتنا تجاه القرآن والنظر إليه باعتباره كتاب منهج يصنع تفكيرنا ووعينا، لا مجرّد كتاب معلومات تاريخية
فالقرآن لا يركز على المعلومات التي عادة تهم المؤرّخين، كـ(الأسماء، والأزمنة، والأمكنة) إلا بالقدر الذي يخدم صناعة الوعي. فمثلاً تكرر اسم "فرعون" عشرات المرات دون ذكر عصره أو عدد جيشه أو اسمه الشخصي، "ففرعون لقب". لماذا؟ لأن القرآن لا يركز على شخص فرعون التاريخي، بل يركز على صناعة وعينا تجاه "المنطق الفرعوني" و"العقلية الفرعونية" واستبدادها وغطرستها وطغيانها وذاتها المتضخمة، تلك العقلية التي قد تتكرر في كل زمان، وتتوفر في أكثر من مكان (في هرم السلطة ومكاتبها، أو في المؤسسات الخاصة، أو في البيت والمجتمع).
فالقرآن يعطينا فكرة "النَّمذجة" كأداة لتحليل الواقع؛ إذ يدعونا إلى عدم النظر إلى الشخصيات القرآنية كأفراد عاشوا وانتهوا، بل كنماذج بشرية وقيمية متكررة. فإذا كان فرعون يمثل نموذج "الطغيان والاستبداد": (أنا ربكم الأعلى) (النازعات، 24)، (ما أريكم إلا ما أرى) (غافر، 29)، فإن قارون يمثل نموذج "الاستحقاق الذاتي" وعزو الفضل للذكاء والجهد الشخصي: (إنما أوتيته على علم عندي) (القصص، 78)، وهي نزعة تتكرر لدى كل من يغتر بمنصبه أو ماله وينسى فضل الآخرين وجهدهم، بل ينسى فضل الله عليه. ومثله نموذج الأعمى الذي ذكر صفته ولم يذكر اسمه، ونموذج مؤمن آل يس الذي لم يذكر اسمه، بل ركّز على الدور الذي قام به، وهو التحرّك للإصلاح حتى في ظل الأنظمة القمعية، والبحث عن المساحات المتاحة للعمل.
إذن الاستهداء بالقرآن من خلال هذه "النمذجة" في إصلاح المجتمع المعاصر يتطلب: استخراج خصائص هذه النماذج، والبحث فيها عن منطق تفكيرها وسلوكها، ثم إسقاط هذه الخصائص على الواقع (على الذات أولًا: ما موقفها من هذه الخصائص؟ وهل تمارس من هذه النزعات "الفرعونية أو القارونية" شيئًا من حيث لا تشعر؟ وتحاول التخلّص منها، ثم نسقطها على الآخرين).
وبالمقابل البحث عن النماذج الإيجابية كمؤمن آل يس وغيره وتمثّل صفاتها، فالبحث عن خصائص تلك النماذج مهم لفهم الظواهر الاجتماعية والسياسية المعاصرة وتصحيحها.
وهناك مثال آخر يوضّح أن القرآن يركّز على صناعة وعينا لا إغراقنا بالمعلومات حتى في الأحداث؛ فغزوة الأحزاب، على الرغم من ضخامتها، حيث تناولتها كتب التاريخ والسير في مئات الصفحات، شرحها القرآن في صفحتين؛ إذ ركز فيها على مواقف ومنطق أربع فرق تجاه الغزوة:
- فريق المشككون: الذين يرون الحصار فيشككون في المبادئ: (ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا) (الأحزاب، 12).
- المخذّلون: الذين يدعون للانسحاب بحجة قوة الخصم: (لا مقام لكم فارجعوا) (الأحزاب، 13).
- الهاربون: الذين انسحبوا مختلقين أعذارًا شخصية ثبت كذبها، تنصّلًا من المسؤولية: (يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارًا) (الأحزاب، 13).
- المؤمنون: الذين كان وعيهم مختلفًا عن سابقيهم، إذ ازدادوا إيمانًا وتسليمًا رغم كل مؤشرات الهزيمة المادية: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا) (الأحزاب، 22).
فمنطق هذا الفريق "فريق المؤمنين" وموقفه مختلف تمامًا عن الفرق الثلاث؛ لأن وعيهم هو "الثبات والتصديق"، وهو وعي غير وعي تلك الفرق.
فالقرآن أراد أن يصنع وعينا تجاه أي حدث أو صراع بين الحق والباطل قد يحصل في كل زمان ومكان بوجود هذه الفئات الأربع وردود فعلها تجاهه، مثلما حصل في الثورة الجزائرية، وحدث غزة الأخير، وغيرها من الأحداث التي تكشف وجود منطق هذه الفئات وتجددها. فعندما ترى اليوم من يشكّك في جدوى المقاومة أو يدعو للاستسلام، يجب أن تدرك أن هذا "منطق تفكير" قديم رصده القرآن، وهو جزء من سنن الله في الأزمات، وفيه توطين للنفس على رؤية هذه الفئات، مما يجعل المسلم "يصنع الموقف السليم" دون أن تهتز ثقته بمبادئه نتيجة لخذلان المخذّلين أو تشكيك المشكّكين، ولكي لا ينصدم بوجود ذلك المنطق.
2. التفاعل مع قضايا القرآن والاشتباك معها في الواقع
فمثلًا من لا يهتم بأمور السياسة والاقتصاد، أو بقضايا الإصلاح الأسري، أو بمواجهة النفاق وكشف أساليبه، لن يدرك عمق التفاصيل القرآنية المتعلقة بهذه القضايا كما يدركها الشخص المنخرط فيها فعليًا. وقد ذكر مثالًا لذلك حين تحدث عن انبهاره بتفسير أحد المختصّين في الكيمياء أو الفيزياء حين اشتبك مع القرآن مفسّرًا لبعض الآيات التي تتحدث عن الجو. وقِس على ذلك: لو تفاعل مع القرآن كل مختص في مجاله لأتوا بأشياء مبهرة.
3. الانتباه إلى أن القرآن قد يتحدث عن مفاهيم معاصرة مثل: (السلطة، أو الاستبداد، أو التفكير الرغبوي)، ولكن بألفاظه الخاصة
فمصطلح "الملك" في قوله تعالى: (وشددنا ملكه) (ص، 20)، أو "الحكم" أو "الأمر" في قوله سبحانه: (وأمرهم شورى بينهم) (الشورى، 38)، في القرآن توازي مصطلح السلطة في عصرنا. ومصطلح "الأماني": (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب) (النساء، 123)، يوازي حديثًا مصطلح "التفكير الرغبوي". ومصطلح "الجبّار" يوازي مفهوم "المستبد السياسي". ويمكن أن نضيف له مفهوم "التفكير البرهاني": (قل هاتوا برهانكم) (البقرة، 111)، الذي يوازي اليوم مفهوم "التفكير المنطقي". ومفهوم "خزائن الأرض" يوازي حديثًا مفهوم "وزارة المالية"، وغيرها. وعدم وجود اللفظ المعاصر لا يعني غياب الفكرة، أو غياب المعنى المعرفي في القرآن.
4. اتباع قواعد الفهم الصحيح وتجنّب "المنهج الاقتسامي"
المنهج الاقتسامي وهو اجتزاء الآيات من سياقها، أو فصلها عن بقية القرآن دون النظر إلى الآيات السابقة لها والآيات اللاحقة لها، وفهمها ضمن ما قبلها وما بعدها لتحديد مقصدها بدقّة، وتجنّب الفهم المشوّه لها. مثل اقتطاع قوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) (البقرة، 191) من سياقها، واستخدامها من قبل البعض لتصوير الإسلام كدين قتال مفتوح، بينما الآية التي قبلها مباشرة تقول: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا) (البقرة، 190)، مما يحصر القتال في رد العدوان. ومثله الاستدلال بعبارة: (وليس الذكر كالأنثى) (آل عمران، 36) كإعلان لازدراء المرأة، بينما هي في سياقها التاريخي واللفظي تعبّر عن قول "أم مريم" وحسرتها لأنها كانت ترجو ولدًا لخدمة الهيكل.
ويدخل ضمن "المنهج الاقتسامي" الانزلاق نحو "التفسير المادي" تحت الضغط الحداثي – بحسب الدكتور نايف – حيث يرى أن فصل كلمة "اقرأ" في قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك) (العلق، 1) عمّا بعدها جعلنا نظن أننا أمة القراءة المادية المجرّدة، بينما المنهج القرآني هو "القراءة الربانية" التي تربط العلم بالخالق: (اقرأ باسم ربك الذي خلق). فهذا الاقتطاع حوّلنا من أمة "القراءة الربانية" إلى أمة تقرأ بمعزل عن الوحي، مما أفقد الفعل قيمته الإيمانية والمنهجية.
ويضيف الدكتور نايف بأن فهم الموضوع الأساسي للسورة "موضوع السورة" يسهم في فهم بعض الظواهر التي قد تشتمل عليها السورة؛ فالقرآن عندما يعرّف بعض المفاهيم لا يهتم بذكر كل عناصر المفهوم، إنما يذكر العناصر المتعلقة بموضوع السورة وما يلائم سياقها.
فمثلًا عندما يعرّف "المؤمنين" في سورة الحجرات قال: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) (الحجرات، 15)؛ لم يذكر كل عناصر المؤمنين، وإنما العناصر المتعلقة بموضوع السورة والتي تلائم السياق. فهنا في سورة الحجرات حين عرّف المؤمنين بدأ بعدم الارتياب، لأن مشكلة الأعراب في اليقين، دائمًا عندهم شك.
لكن لما عرّف المؤمنين في سورة المؤمنون قال: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون) (المؤمنون، 1-3)؛ فذكر إعراضهم عن اللغو كخاصية ثانية؛ لأنها تناسب موضوع السورة حيث تتحدّث عن التحدّيات التي يواجهها المؤمن حينما ينتمي إلى الإيمان. والإعراض عن اللغو هو من أكثر الأدوات التي تحميك من التحدّيات، لأن المؤمن لو واجه كل تحدٍّ ساذج سيرهق نفسه ولن يستطيع الاستمرار، لذلك الإعراض عن اللغو صمّام أمان له في التعامل مع التحدّيات التي يواجهها المؤمن في حياته. لذلك ناسب هنا أن يقدّم هذه الصفة، ونحن لن نعرف أنه ناسب أن يقدّمها ما لم نكن نعرف قبل ذلك موضوع سورة المؤمنون. وهكذا دائمًا معرفة موضوع السورة يسهم في أن نتعرّف على بعض الظواهر الموجودة في القرآن.
كما ذكر أن عدم فهم الآيات من خلال الموضوع الأساسي للسورة "الوحدة الموضوعية" يؤدي إلى فهم قرآني مشوّه. فمثلًا سورة البقرة تدور حول موضوع "التسليم للتكليف"، وسورة الحجرات حول "القواعد التي تحمي المجتمع". ففهم القرآن ضمن سياقات آياته (سوابقها ولواحقها)، ووحدته الموضوعية، يؤهلنا لفهمه بدقة وبالتالي التفاعل معه، ويجنّبنا الوقوع في منزلق وفخّ "المنهج الاقتسامي" أو ما يمكن أن نسمّيه بـ"التفسير بالتعضية" كما سمّاه القرآن.
5. تجاوز عوائق الانتفاع بالقرآن قبل كل شيء
والتي منها: أزمة الثقة بالقرآن ومصدره، والكسل المعرفي، وفقدان الصدق، والدخول بتحيّزات سابقة.
فاسترداد الثقة في المصدر، وهو "الله" جلّ وعلا، تمثّل الأداة الأولى في ترسيخ القناعة بأن هذا الكتاب صادر عن خالق الكون، وهو كلي الحكمة والإرادة والعلم. فالثقة المطلقة بالله تستلزم الثقة بأن كتابه يمتلك الإجابات النموذجية والقواعد الأقوم لكل تفاصيل الحياة السياسية، والتربوية، والاجتماعية وغيرها؛ لأنه (يهدي للتي هي أقوم) (الإسراء، 9)، ولأنه المصدر الذي يعرف كنه الإنسان واحتياجاته أكثر من أي مصدر بشري آخر.
وهو ما يدعو الباحثين المسلمين إلى القيام بالبحث عن إجابات لأسئلتهم التربوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها من القرآن أولًا قبل البحث عن إجابات خارجه.
ومن أكبر عوائق الثقة بالقرآن "الكسل المعرفي" والقراءات العجلة له، والاكتفاء بختمات سريعة، وعدم تخصيص الوقت والجهد البحثي الكافي للبحث في القرآن و"مصاحبته" كما يُعطى من الوقت لغيره من الكتب الفلسفية أو العلمية. فيجب على الباحثين المسلمين في العلوم الاجتماعية والإنسانية (التربية، السياسة، علم النفس) تخصيص الوقت والجهد البحثي الكافي للبحث في القرآن؛ للظفر بكنوزه، وتبنّي مشروع "مركزية القرآن" في تلك التخصصات، وأن يبدأوا ببناء نماذجهم المعرفية انطلاقًا من القرآن. ففي التربية يمكن الانطلاق من نموذج سورة لقمان في تصحيح التصورات والممارسات، وفي السياسة يمكن استثمار سورتي التوبة والأنفال لبناء نماذج العلاقات الدولية والنظم السياسية، وفي نظرية المعرفة يمكن دراسة سورة النحل لاستخراج مصادر المعرفة وعوائقها النفسية.
ولكي تستعاد الثقة بالقرآن لا بد من تحقّق الصدق والتجرّد المعرفي عند الدخول للبحث فيه؛ فالثقة بالقرآن تتطلب "الدخول للقرآن بقلب سليم"، متجرّدًا من التحيّزات السابقة أو الرغبة في توظيف الآيات لنصرة مواقف سياسية أو مذهبية، وإنما الدخول له بقصد "الاستهداء الصادق" بما فيه، بعيدًا عن أي تحيّزات سابقة.