على طريقة «صدِّق أو لا تصدِّق»: هل تصدِّق أنَّ كنوز مكتبة الإسكوريال –الإسبانية الشهيرة اليوم عالميًا– مِن المخطوطات والكتب ونوادر المؤلفات، هي في أصلها مِن مواريث مكتبات ملوك الطوائف التي كانت جزءًا لا يتجزأ مِن «أوقاف الأندلس» قبل سقوطها في سنة 711هـ/1492م؟.
ليس أمامنا إلا أن نصدِّق، فتلك هي الحقيقة التي ترويها كتب التاريخ، وحكاياته التي لا تنتهي عن حوادث السطو والنهب الاستعماري لتراث أمتنا العريق، وخلاصة هذه الرواية بشأن المخطوطات الموقوفة مِن زمن دولة الأندلس: أنَّ الإسبان استولوا على خزائن ملوك الطوائف المتناحرين بعد أن ضربوا بعضهم ببعضٍ وهزموهم، وتمكنوا مِن طردهم تمامًا مِن شبه الجزيرة الإيبيرية (الأندلس سابقًا)، وتكوَّنت مِن تلك المكتبات المجموعات الأساسية لمكتبة الإسكوريال ذائعة الصيت، ولا تزال مخطوطاتها إلى اليوم تحمل عباراتٍ تكشف عن اسم واقف هذا المخطوط أو ذاك، والتمليكات التي توضِّح مَن الذي امتلك هذه النسخة أو تلك، و"الفراغات" التي توضِّح متى انتهى الناسخ أو المؤلِّف أو طالب العلم مِن عمله في الكتاب أو المخطوط، والأيادي التي تداولتها مِن كبار العلماء وطلاب العلم، وأماكن حفظها وتواريخ وقفها، إلخ.
ومِن أهم الأمثلة التي يذكرها المؤرخون: واقعة مكتبة المولى زيدان السعدي؛ وموجزها: أنه عندما قامت انتفاضةٌ ضده بقيادة ابن أبي محلي في القرن العاشر الهجري (أوائل السابع عشر الميلادي) لاذ السعدي بالفرار قاصدًا فرنسا، وحمل معه في سفينته كنزًا مِن المخطوطات التي بلغ عددها خمسة آلاف مخطوط، بعد أن أخذها مِن خزائن السلطان السعدي أحمد المنصور (الملقَّب بالذهبي)؛ لأنه كان يقايض الكتب والمخطوطات بالذهب الخالص، لكن القراصنة الإسبان اعترضوا سبيل تلك السفينة وهي محمَّلة بذخائر الكتب والمخطوطات، وافتعلوا خلافًا مع المولى زيدان السعدي، واتهموه بتأخير الوفاء برسوم مرور سفينته والأتاوات التي فرضوها عليها، وأخذوا ما في السفينة مِن كتبٍ ومخطوطاتٍ وحملوه إلى ملك إسبانيا (فيليب الثاني).
وقد وضع الباحث اللبناني ميخائيل غزيري في سنة 1770م فهرسًا جامعًا لِما تضمَّنته تلك المكتبة الزيدانية مِن مخطوطاتٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ، ومِن كتبٍ ومراسلاتٍ سلطانيةٍ تخصُّ تلك الفترة التي شهدت نهاية الوجود الإسلامي في الأندلس.
وفي كتابنا «مقاصد أوقاف المخطوطات والمكتبات في الحضارة الإسلامية» الصادر سنة (1444هـ/2023م) أثبتنا أن تلك المكتبة المنهوبة كانت النواة الأولى لمكتبة الإسكوريال، التي يقع مقرها اليوم على بعد 60 كيلو مترًا شمال العاصمة الإسبانية مدريد، ويؤمها الباحثون مِن كل حدبٍ وصوبٍ، مِن مختلف بلدان العالم.

ولم تتوقف جرائم الأجانب في السطو على ذخائر التراث ومخطوطاته الموقوفة وغير الموقوفة حتى اليوم، وبين الحين والآخر تنشر وسائل الإعلام أنباءً محزنةً عن اختفاء مجموعاتٍ كاملةٍ مِن المخطوطات، أو سرقة أصولها ووضع صورٍ مكانها، بعد نقل أصولها إلى مكتبات أوروبا الشهيرة.

ومِن ذلك جريمة سرقة مخطوطة «الرسالة» للإمام الشافعي، التي يرجع تاريخ نسخها لسنة (265هـ/879م) بخط تلميذه الربيع بن سليمان المرادي، فقد تمكن اللصوص مِن سرقتها مِن مقرها في الاحتفال بيوم الوثيقة العربية 28 أكتوبر سنة 2002م، ومِن يومها اختفت النسخة الأصلية لمخطوطة «الرسالة» رغم أنها موقوفةٌ لطلاب العلم، ولم يظهر لها أثرٌ إلى اليوم، وما يثير الحزن والأسى أن يحدث ذلك لهذه المخطوطة (الكنز) بعد أن ظلت خزائن الكتب الموقوفة في بلدان أمتنا الإسلامية تحتفظ بها وتحافظ عليها لأكثر مِن 1200 سنة.