تعدّدت الأطروحات والمقاربات التي حاولت جاهدة الإجابة عن سؤال مؤرقٍ رافق مفكري العالم العربي والإسلامي ألا وهو "سؤال النهوض" ولا يزال هذا الأخير مطروحا إلى يومنا هذا بالنظر للأزمات المتلاحقة التي وقفت حجر عثرة في سبيل نهضة المنطقة العربية والإسلامية، وجعلتنا نسائل جدوى الفكر النهضوي ومكامن الخلل في النظريات المقترنة به -على تعددها- وإلى أي حد استطعنا تنزيلها على أرض الواقع. في هذا السياق صدرت مؤخرا بتاريخ 15 فبراير 2021 دراسةُ "في سؤال النهضة: مقاربة تحليلية نقدية لتطور التفكير النهضوي" عن مركز نهوض للدراسات والبحوث للباحث والكاتب المغربي الدكتور الطيب بوعزة، سنحاول في هذا المقال استعراض أهم ما جاءت به. 

سؤالُ النهوض في 3 مراحلٍ كُبرى.. من صيرورة اللفظ إلى المختبر المجتمعي! 

ظل سؤال النهضة هاجسا مصاحبا للوعي العربي والإسلامي إذ كان ولا يزال السؤال الإشكالي المحوري الذي تضافرت الجهود وتجادلت في محاولة الإجابة عنه. وبالنظر إلى ما يكتبه مؤرخي الفكر العربي الحديث والمعاصر نلاحظ تلك النزعة لاختزال التنظيرات والمشاريع النهضوية العربية على تنوعها في ثلاثة أساسية: تيار التأصيل، وتيار التحديث، وتيار التوفيق.

في حين أن البحث الذي بين يدينا يختصرها في اثنين فقط على اعتبار التوفيقية ليست كيانا مستقلا لذاته كسابقيها، ويطرح تساؤلا عن الوضع العربي اليوم والذي لا يزال مختلا من الناحية الثقافية والمجتمعية على حد سواء -من نظر الكاتب- وذلك رغم تعدد التيارات والإجابات وتنوع الأطروحات النهضوية.  

د. الطيب بوعزة - فيسلوف وباحث مغربي

ومن هنا تأتي مجموعة التساؤلات المطروحة حول سؤال النهوض والتي أجاب عليها الباحث في هذه الدراسة من خلال المراحل التالية: بداية بتحليل صيرورة ألفاظ سؤال النهضة، وبحث دلالاتها ثم انتقل إلى استعراض تيارات الفكر النهضوي بقصد ضبط محددات نمطها في التفكير. ليختم ببيان حاجة فكر النهضة إلى مختبر مجتمعي.

من مطلب في النهوض إلى ثنائية التقدم والتأخر.. كيف تطورت دلالات قاموس النهضة وتحولاته الاصطلاحية؟ 

من الناحية اللسانية، ثمة تعدد في الألفاظ المستعملة للدلالة على إشكال النهضة، كما أن ثمة تحولا وصيرورة في الاصطلاح عليها وتوصيفها لغويا، حيث استعرض الباحث مراحل انتقال سؤال النهضة لفظيا من مطلب في النهوض في النصف الثاني للقرن التاسع عشر إلى حالة مقارنة بين التقدم والتأخر مع بداية العشرينات ثم شيوع لفظي "النهضة" و"الانحطاط" والسرد ما قابل هذا التدرج اللفظي من أحداث تاريخية إلى منتصف القرن العشرين أين تغير سؤال النهوض لفظيا ليصير "سؤال التنمية" ويتغير بذلك الزوج المفهومي الدال على الوضعية إلى: تنمية/ تخلف، بدلا من نهضة/ انحطاط.

 منوها إلى أن هذه التغييرات الحاصلة في الاستعمال اللغوي الشائع لم تعبر عن تحولات حقيقية في الصيرورة التاريخية مع مقارنة ذلك بالفكر الأوربي حيث أن تحولات قاموس النهوض فيه كانت مساوقة لتحولات سوسيولوجية فعلية.

في محددات التفكير النهضوي واتجاهاته.. بين تيار التأصيل وتيار التحديث. 

عادة ما يؤرخ لبداية الفكر العربي الحديث بالهزيمة أمام نابليون عام 1798 التي أيقظت بفعل قوتها الصادمة الحس النقدي داخل الوعي العربي وأسكنت  في داخله -حسب الباحث- ذلك السؤال/ الهاجس: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا؟

حيث أن هذا التوقيت الذي يرهن النهضة بالهزيمة ليس محل اجتماع بين مؤرخي الفكر العربي، مستدلين بأن حركات التجديد قد ظهرت قبل الحملة الفرنسية مطالبين بتجديد النظر فيما يسمى بعصر الانحطاط.

وإذا كانت الهزيمة بداية إشاعة سؤال النهوض حسب البعض، أو لحظة إنتاجه حسب الآخرين فإنها كانت أيضا بداية الانقسام في الجواب عنه حيث دفعت الوعي العربي -حسب الكاتب- إلى أن يختصر العالم في ثنائية الأنا والآخر، ويختزل مسارات الرؤية في اتجاهين: التراث والحداثة.

  • تيار التأصيل:

يطلق في الغالب على التيار الفكري الإسلامي، رغم حضور نزعة التأصيل في التيار القومي أيضا، لأنه يقوم أيضا على مجموعة من الأفكار والمحددات التي تؤسس لمشروع النهضة، حيث يحددها في استعادة مقومات التراث ومرتكزاته، كاللغة والتاريخ. رغم أن الباحث قد اكتفى بتركيز التحليل في اتجاه التأصيل الفكري الإسلامي إلى تيارين اثنين:

  1. تيار التأصيل السلفي.
  2. تيار التأصيل التوفيقي.

وبالعودة إلى مفهوم التأصيل ومنطقه فالباحث د. الطيب بوعزة يرى اختلافا بين لفظ التأصيل وهو الإبداع لغة واستعمالاته التي يراد بها العراقة والانتساب للماضي والاختلاف عن النموذج الغربي بالعودة إلى النموذج التراثي.

وقد ظهر هذا التوجه بعد الهزيمة ضد الغرب التي تعد جرحا للأنا والكبرياء العربي حيث يعتبر الباحث أن الأزمات والتحولات الكبرى التي تطال حاضر الإنسان دائما تدفع به إلى استعادة تاريخه والانشداد إلى ماضيه ويمكن اختزال هذه العودة في عودة تأصيلية سلفية، وعودة تأصيلية توفيقية.

  • التأصيل السلفي: 

ويمتد من القرن الثالث عشر إلى الثامن عشر هجري وبدأ التأصيل السلفي مع الحركة الوهابية بشعار "العودة إلى ما كان عليه السلف" وهي تعبر عن وجود واعي رافض لما عليه الوضع السائد في المجتمع النجدي خاصة، وتنظر إليه بوصفه انحرافا أي أنها قد كانت حركة نقدية داخلية غير مرتبطة بجدل مع الآخر الغربي.

ومن الملاحظ أن التيار السلفي يعبر عن آلية فكرية ظاهرية تلتصق بمنطوق النص، وهي آلية شائعة في مختلف المذاهب والتيارات الدينية، إذ يمكن أن نجد حضورا للسلفية –من حيث هي منهج وآلية تفكير- في مختلف المذاهب الإسلامية، ولذا يجب أن نميز بين السلفية بوصفها مذهبا، والسلفية بوصفها آلية تفكير.

ويرى الكاتب أن وصف غالبية الباحثين للتيار السلفي بالتيار الرافض للحاضر بشقيه: "المنحط/ الفاسد" والمتفرنج الآتي من الغرب هو وصف منقوص باعتبار هذا التيار رافض للاقتباس من التراث أيضا فشعار "العودة إلى ما كان عليه السلف" سيلغي الماضي وهذا ملاحظ – بشكل خاص- في فكرة "اللامذهبية" التي تشبث بها تيار التأصيل السلفي والتي تلغي الاجتهاد ليتم تجاوز التراث الفقهي والأصولي بدعوى العودة إلى "السلف" معتمدين في عودتهم للأخذ بعض الآراء الفقهية على آلية تخريج الحديث، فليس لدى هذا النموذج السلفي اهتمام بعلم الأفكار، لأنه مشدود إلى "علم الرجال"، ومن هنا نفهم سر ضعف الملكة الأصولية الفقهية في الفكر السلفي، أي ضعف آلية التفكير في مقابل طغيان " آلية السند".

ويرصد الباحث بعدها ما نتج عن موقف هذا التيار من مواقف موغلة في العزلة والتطرف، ليسهم نموذج الدولة العربية المستبدة والواقع الدولي الذي يشهد استقواء الغرب في تعميق تفكير العنف  داخل التيار السلفي-  منتجا ما يعرف بالسلفية الجهادية وقد ارتبط هذا باستدعاء مفهوم فقهي قديم، هو "دار الإسلام/ دار الحرب".

  • التأصيل التوفيقي:

ظهر تيار التأصيل التوفيقي مع مجموعة من الفقهاء الذين إن  خذوا بفكرة "صلاح هذه الأمة في آخرها بما صلح به أولها"، فإن التواصل مع الغرب وحضور العامل الاستعماري وتحولاته التالية التي لم تشهدها الحركة الوهابية عند بداية تأسيسها، كان شرطا مناسبا لتبلور وعي تأصيلي توفيقي بدأ مع رفاعة رافع الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني.

 ثم استقر في شكل نسق فكري مع الإمام محمد عبده الذي يعتبر أوسع جواب توفيقي حول سؤال النهضة، حيث أن مشروعه الثقافي النهضوي قد شكل نقلة نوعية حيث جاء الإمام محمد عبده ليدعو للاستفادة من تقدم الغرب المادي والمعنوي ، ليمتد هذا الفكر من بعد إلى مختلف الأقطار العربية والإسلامية، ففي الهند نجد التيار التوفيقي محايثا لفكر محمد إقبال الذي نراه حتى وهو بصدد معالجة المسألة العقدية يؤسس مشروعا في تجديد أساس الفكر الديني على تمثل مزدوج للإسلام من جهة، ولتطور المعرفة الفلسفية والعلمية الأوربية من جهة ثانية، وفي الشرق سيمتد فكر محمد عبده ونهجه مع الشيخ محمد مصطفى المراغي، وشيخ الأزهر محمود شلوت، وأمين الخولي، والشيخ محمد أبو زهرة وفي المغرب الإسلامي سيتشكل الموقف التوفيقي نفسه مع الشيخ الطاهر بن عاشور، وعبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي ومالك بن نبي وغيرهم.

  • تيار التحديث:

نتج عن جدل الأنا مع الآخر –الغرب-، حضور النموذج الغربي في وعي قسم مهم من النخبة المثقفة، فضلا عن تجسيده بعض قيمه وملامح عمرانه في واقع الحياة وأنماط العيش بفعل صيرورة تاريخية اتسمت بشروط صراعية مست نرجسية الأنا الحضاري و خلخلت وثوقه في ذاته.

وإذا كان سؤال النهضة حصل بفعل الانهزام داخل ساحة الحرب، فإن ناتج التفكير في السؤال لم ينحصر في تأمل المعركة بل تعداها إلى هزيمة نمط في التفكير والعيش، وتحليلا موسعا يروم فهم مقومات القوة في كيانه الحضاري ككل ومن هنا نفهم سر انطلاق الرحلات الاستكشافية إلى الغرب لـ "تلخيص إبريزه" لنميز في ذلك قسمين أحدهما اشترط تفاعل الأنا مع الآخر، في حين انساق الآخر إلى أمل استنساخ النموذج الغربي بأكمله منتجين تيارين تحديثيين: تيار التحديث التغريبي، وتيار التحديث التوفيقي.

  • تيار التحديث التغريبي: 

والذي اختزل جواب سؤال النهوض في مجرد محاكاة الغرب، وجاءت فيه كتابات تدعو صراحة إلى أن يتخلص العالم العربي من ذاتيته ليتمثل نمط الوعي والعيش الأوربي، حيث تبلورت داخل تيار التحديث التغريبي دعوة صريحة إلى أن يتخلص الشرق من شرقيته ليصير غربا بل وصلت إلى حد تسفيه الماضي العربي الإسلامي ووصف الاهتمام بالماضي بالعار! 

ليسرد الباحث مجموعة من الاقتباسات لكتاب عدة دعوا للانسلاخ التام من كل ما هو شرقي إسلامي، من نمط عيش وتفكير وعادات ووجة نظر إلى الدنيا وحتى الكتابة من اليسار إلى اليمين!

  • تيار التحديث التوفيقي: 

لقد رادف التيار التوفيقي بين النهضة والتوفيق، معتقدا أن تجسيد الامتزاج بين التراث والعصر هو أهم قضية وأخطرها، وإنجازها هو مسار النهضة.

بيد أن عمق الإشكال لا يسمح بأن تكون المعالجة مجرد وصفة أسلوبية قائلة بالتوفيق، بل لا بد من إيجاد تلك الصيغة القادرة على التوليف حقا بين التراث والمعاصرة، ويصح القول هنا: أن هذه الصيغة لم تتبلور على نحو من الوضوح المنهجي بل كل الحيلة التي نجدها عند مفكر التحديث التوفيقي هو الالتجاء إلى آلية ذهنية قاصرة وهي آلية الانتقاء: "إن التراث ليس كتلة واحدة، بل عالم ليس له أول أو آخر".

جدلُ الفكر مع الواقع.. في الحاجة إلى مختبر لفكر النهضة! 

إن النماذج النظرية النهضوية التي تبدت للوعي العربي الحديث لم تجاوز نموذجين اثنين: النموذج التاريخي الموروث، والنموذج الغربي الوافد، ومن هنا نلاحظ أن التفكير النهضوي قد حكمه منطق التقليد، حيث لم يفكر في إبداع مشروع نهوض يبنى ويتحول بالتجربة بل اتجه إلى التفتيش عن مشروع نهوض جاهز للنقل والاستيراد وهو ما أنتج رؤى وثوقية تكبل فعل النهضة ولا تحفزه على اعتبار سؤال النهضة هو سؤال متحرك أي أن كل لحظة في التاريخ تحتاج جوابها الخاص على هذا السؤال ومن هنا يأتي رفض د. الطيب بوعزة لكل تمذهب جاهز  يقوم على الاستنساخ والاستيراد.

ومن هنا تأتي -حسبه- ضرورة وجود مختبر حقيقي للجواب على سؤال النهضة، وذلك لأن مشكلة النهضة لا يمكن أن تعالج معالجة فعلية على أرض الورق، وإنما لا بد من جدل الفكر مع أرض الواقع. 

وقد يعارض البعض هذا القول بالقياس على وقائع مجتمعية غربية أو تاريخية ماضية مثلا، حيث طبقت هذه النظريات وأثبتت نجاعتها وقدرتها الإجرائية على تحريك المجتمع وإنهاضه. متناسين أنها صناعة إنسان، ومثل هذه الصناعة لا يمكن أن تنفصل عن سياق الصيرورة التاريخية وتتفاعل معه مغيرة بنيتها النظرية وإلا ستؤول إلى الجمود والموت لا محالة.

ومن هنا تبدو ضرورة إنجاز نقلة من مستوى التنظير إلى اختبار الما صدق الواقعي لنظرية النهضة، وهنا نجد أن الواقع العربي ينقصه شرط هذه النقلة  والذي هو -بحسب الباحث- زوال "عائق الاستبداد السياسي". حيث أن إنشاء الواقع السياسي الديمقراطي مطلب آني اليوم، إذ به يرتهن تأسيس مختبر أفكار النهضة وهو المختبر القادر على استنزال جواب سؤال النهوض إلى الاختبار المجتمعي.