مع انهيار الأسواق المالية العالمية مرة أخرى في أكتوبر عام 1997م انهارت معنويات الكثيرين. كل الناس تتفق على أن المال لا يجلب السعادة بشكل قاطع نهائي، وكل الناس تسعى إلى المال بنهم لا يعرف الارتواء ولا يحترم الحدود، وكأنها جهنم تقول: هل من مزيد؟ واعتبر القرآن المال (قيمة متحركة) في طيف متكامل تتحول فيه هذه (الوسيلة) من (الخير والزينة والقوام) إلى (الفتنة والطغيان). ورأى فيلسوف فرنسي أن المال: خير خادم وشر سيد... واكتشف (كارل ماركس) في كتابه (رأس المال) مرض (فائض القيمة) في النظام الرأسمالي، مما حدا بالعمال الفقراء المنهكين في الأكواخ القذرة أن يرفعوا يومها كتابه (رأس المال THE CAPITAL) إلى مستوى القداسة، ليتحول إلى (إنجيل الشيوعية). ورأى (المسيح) عليه السلام أن الأغنياء لن يدخلوا الجنة إلا بطريقة واحدة: عندما يمر (الجمل) في ثقب الإبرة؟!

وفي عام 1776م وضع (آدم سميث ADAM SMITH) كتابه (ثروة الأمم WEALTH OF NATIONS) الذي رفعه إلى ذروة البشر الأعاظم المائة في تاريخ الجنس البشري، وضع يده فيه على الآلية الخفية والجدل المبطن لعمل السوق والتجارة، فدشّن (نقطة البداية لدراسة الاقتصاد السياسي الحديث). ورأى عالم النفس براين تريسي أن أسس النجاح عند الإنسان تعتمد ستة عناصر، الرابع فيها (الكفاية المالية). أما عالم النفس (هادفيلد) فرأى أن السعادة غير السرور واللذة؛ فالسعادة تناسق التعبير عن الغرائز في موسيقى متناغمة (HARMONY)، واللذة ممارسة غريزة لا يشترط توافقها مع الذات، أما السرور فهو المسحة الوجدانية للانفعال البيولوجي في لذة تتوافق مع الذات. ورأى (ميشيل أرجايل MICHAEL ARGYLE) في إحصائياته وأبحاثه التي اعتمدت (502) مرجعًا لـ 191 ممن فازوا باليانصيب بـ 161000 جنيه؛ فلم يلحظ تغيرًا يُذكر في مشاعر السعادة عندهم، في مؤشر واضح إلى اللغز الغامض في تحصيل السعادة.

لا بد إذًا من تفكيك الثروة والسعادة ورؤية المزيج منهما؟!
المذبحة المالية في هونج كونج ومرض الرأسمالية

مع هبوط مؤشرات البورصات هبطت قلوب أعداد لا تُحصى على قوس الكرة الأرضية، ولا يُستبعد أن انتحر البعض على الشكل الذي أظهره فيلم (هابيل وقابيل)، كما مرّت على أناس لم يشعروا بما حدث؛ فليس في جيوبهم دولار ولا مارك، ولا باسمهم سندات، ولا يمتلكون أوراقًا مالية واستثمارات، فلا يملكون حتى يخسروا... فطوبى للفقراء؟!

أظهر الفيلم الأمريكي (هابيل وقابيل ABEL & CAEN) مصير رجلين وُلدا بنفس الوقت في بولندا وأمريكا؛ فأما الأول فذاق مرارة الفقر، وجاء مهاجرًا إلى أمريكا يعمل (نادلًا) في مطعم، وأما الثاني فنشأ في بيت أمريكي أرستقراطي مترف، لينجح الأول في أعماله التجارية من خلال صداقته مع مالك مجموعة فنادق محترمة؛ لتصبح ملكه بعد انتحار صاحبه في الانهيار المالي الكبير في أمريكا عام 1928م، وأما الأرستقراطي الأمريكي فينتهي أيضًا محطّمًا بعد خسارات مالية في البنك الذي كان يتولى إدارته.

الانهيار المالي الكبير كان شيئًا خطيرًا لم نعاصره، ولكن ذكرته كتب التاريخ والاقتصاد وكان مهولًا مروعًا؛ فخلال أيام قليلة تحوّل الأغنياء إلى فقراء لا يملكون شيئًا، عندما فقدت الأوراق المالية قوتها، مثل البطارية التي فُرِّغت من الشحن دفعة واحدة. وهذا ما جعل المفكر الجزائري (مالك بن نبي) يعتبر الورقة المالية تشبه (البطارية) شحنتها قيمة العمل الذي بُذل فيها.

ومن القصص العجيبة في انهيار الأسواق المالية يومها قصة والد الرئيس الأمريكي جون كينيدي، حيث كان يمسح حذاءه، والفقير ماسح الأحذية يضحك متندرًا على المضاربين في سوق (وول ستريت)، فقال: أما أنا فلن أضع في جيبي سوى الذهب. هزّت هذه الكلمة الأب كينيدي ليحوّل كل ما يملك إلى ذهب؛ ليصبح ثريًا مرموقًا بعد العاصفة المالية، فلم يصمد يومها إلا الذهب ومالكه؟!

مرت المذبحة المالية من هونج كونج إلى (وول ستريت) تلمع في ثلاث ألوان حمراء منذرة بتحولات جديدة، غير ما اعتادها اقتصاد الثلاثينات من هذا القرن مع الانهيار المالي الفظيع عام 1928م: عالمية الاقتصاد والإنسان، وأثر المال في الحياة، وعدم حصانة النظام الرأسمالي ضد الصدمات الاقتصادية، في جو من الجشع يقوده سمك قرش عالمي من السماسرة ومضاربي البورصات، في نفخ بالونات الأوراق المالية، وضخ الأسعار الوهمية إلى ذرى جنونية لا تقوى فيها على التحليق، فتنفجر من طول احتقان.

فيصدق عليها مصير الطير: ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، كما اعترف بذلك الخبير الأمريكي (جرين سبان GREENSPAN). ولم يكن جنون الذهب عام 1980م إلا مثالًا من هذا النوع عندما اقترب سعر الكيلوغرام الواحد من مائة ألف ريال، وطيران الدولار في بداية عام 1985م إلى 3,6 مارك (أيام ريجان)، لينزل عام 1995م إلى 1,35 من المارك، إلا قصة مكررة فيها عبرة كبيرة عن سرعة المتغيرات في عالمنا الذي نعيش فيه، وأن من يرفع ويضع ليس مقاييس منطقية وتغيرات جوهرية في الأسواق، بل خلفية نفسية لجنون من نوع خاص يمارسه البشر، وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا.

انهيار الأسواق المالية عام 1928

أفظع انهيار عانى منه العالم كان عام 1928م، وقام الخبير الاقتصادي الأمريكي (رافي باترا RAVI BATRA) ذو الأصل الهندي بدراسة ظاهرة الأزمة المالية الاقتصادية في النظام الرأسمالي؛ ليصل إلى الكشف عن (ظاهرة PHENOMENA PERIODIC) عجيبة (دورية) في النظام الرأسمالي، درسها خلال المائتي سنة التي سبقت الانهيار الكبير عام 1928م، تحدث كل ستين سنة (بزعمه)، فكما حدث الانهيار عام 1928م فيجب أن يحدث وفق القانون عام 1988م، مما حدا به إلى وضع كتابين فيما يشبه (نبوءة يوسف عليه السلام) في سنين العجاف، مرمّزة ببقر يفترس بقرًا، رآها فرعون في نومه، وأوّلها له النبي الصالح يوسف عليه السلام السجين ظلمًا، بسبب فضيحة جنسية لامرأة رئيس الوزراء يومها (العزيز).

وضع الاقتصادي الأمريكي (باترا) كتابه الأول بعنوان (الكساد الكبير عام 1990م)، ثم وضع خطة الإنقاذ من الطوفان الكبير الذي سيجتاح الجنس البشري اقتصاديًا بما هو أعتى من انهيار عام 1928م، وحبك خطوط قارب الإنقاذ في كتابه الثاني (النجاة من الانهيار العظيم عام 1990م SURVIVING THE GREAT DEPRESSION OF 1990). والذي حصل أن الانهيار المروّع حدث عام 1988م في اليوم المعروف بيوم الاثنين الحزين كما توقّعه باترا.

ومن الغريب أن الحزن الاقتصادي يحدث بشكل عجيب دومًا في الخريف؛ فكما تتساقط أوراق الشجر تتساقط الأوراق المالية وقيمتها، ولكن الأسواق العالمية تعافت منه بسرعة كبيرة، وردّة فعل الأسواق الحالية كانت أكثر فعالية في استعادة أنفاسها، مما يدل على أن التفسيرات الدوغمائية النهائية تبقى حبيسة الأسطر والكتب، ويبقى الواقع الإنساني أعقد بكثير على التفسير والإمساك بقوانينه. ولا يعني هذا أن المعرفة مستحيلة، وأن الكون يقوم على الفوضى، ولكن الحياة تحوي مجموعة معقّدة لا نهائية من القوانين، والعلم يتقدم فيكشف أمرين في غاية التناقض: إماطة اللثام عن بعض الأسرار، وشق الطريق لأسرار تزداد دون توقف؛ فيكشف قضية واحدة لتبرز عشر قضايا تكتنفها الغموض، في زاوية (سقراطية) منفرجة دومًا.

لم يرتبط الذهب مع السعادة قط

لم يكن الذهب يومًا مصدرًا وشرطًا للسعادة، أو كما يقول المناطقة (الشرط الجامع المانع)، وإلا لكان قارون سيد الأنبياء. ومعظم الجرائم تنبع من الصراع على المال والمرأة (بتحوّل الأنثى إلى حقل يمتلكه الذكر)، بما فيها صراع الدول واشتعال الحروب.

وعندما توجّه موسى عليه السلام بالدعاء الموجع على فرعون، كانت الدعوة باتجاه الأموال التي تضلّ عن سبيل الله (ربنا اطمس على أموالهم)، باعتبار المال يمثل النفوذ والسلطان والتأثير في حياة الناس.

نظرة القرآن للمال والثروة

اعتبر القرآن المال (خيرًا) وليس شرًا، ولم يسمّه بذلك قط، كما في قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا)، أو كما في الآية: (وإنه لحب الخير لشديد – سورة العاديات). كما اعتبر القرآن المال (زينة) كما في الآية: (المال والبنون زينة الحياة الدنيا)، واعتبره (فتنة) كما في الآية: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة).

كذلك اعتبر المال (قوام المجتمع)، فهو العمود الفقري الذي عليه يقوم ويتكئ؛ فيجب أن يُحجر على السفهاء إذا أساؤوا استخدام هذه الوسيلة، فالمال هنا يصبح (وظيفة) اجتماعية. كذلك يربط القرآن بين السلطان والمال: (ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه)، وبين الغنى والطغيان: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى – سورة القلم).

لذلك لا يُنزّل الله الأرزاق إلا بقدر بسبب اقتران المال بالبغي: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض). ورأى أن التبذير عمل شيطاني: (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين)، ورأى أن لا يُحتكر المال في يد قلة محدودة داخل المجتمع: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)، بسبب بسيط أن المال دم المجتمع، وأنه ملك له يتدفق في شرايينه: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه).

ورأى في تكديس المال وكنزه: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) مصيبة اجتماعية يستحق صاحبها أن يُكوى وجهه بالنار في علامة لا تزول: (فتكوى بها جباههم). كما لم يعتبر المال قيمة عليا في المجتمع ترتفع بها سمعة ومقام الإنسان، كما في مجتمعاتنا المريضة المتنافسة في مرض جنون المظاهر والتفاخر بالعرض السخيف من الأشياء، وارتفاع قيم المجتمع القاروني، وهزيمة قيم العلم والفكر؛ فالمفكرون فقراء، والجهلة متخمون بالمال: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى).

وحضّ الإسلام على الإنفاق واعتبره قرضًا يتلقاه الله منا: (إن تقرضوا الله قرضًا حسنًا يضاعفه لكم)، كما اعتبر أن أعظم فائدة واستثمار هو الإنفاق في سبيل الله: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه)، (وأنفقوا خيرًا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). فالربح يتضاعف إلى 700 كما في مثل السنبلة.

فهذه المنظومة المدهشة من حركة المال هي لضخ المال في مفاصل المجتمع كي ينتعش، ولا يُحجز أو يُكنز أو يتجمع في بؤر بعينها فيمرض المجتمع، وتتآكل الطبقة الوسطى، ويزداد الأغنياء غنى والفقراء فقرًا، في نظرة تأسيسية إلى المال كوظيفة اجتماعية.

 فالذهب والمال لا يأكلهما الإنسان، ولكن يقضي بهما حوائجه، وإلا حلّت عليه لعنة (ميداس) كما في الأسطورة اليونانية. والورقة المالية ليست دفتر وظائف لمن هبّ ودبّ يكتب على ظهرها مذكراته وحساباته وكنوزه التي يجمعها، بل هي إصدار اجتماعي يجب أن يُحترم ويتحرك من يد إلى أخرى دون توقيعات شخصية عليها.

ما الذي حدث في التاريخ؟

الذي حدث في التاريخ أن (الكنز) الذي حرَّمه القرآن تمّ تكديسه ابتداءً من البيت الأموي في مسلسل السلطة المحموم، مرورًا بخلفاء بغداد (عندما دمّر هولاكو بغداد دلّه الخليفة العباسي تحت التهديد على بركة من الذهب الخالص مخبّأة في باطن الأرض!!)، وانتهاءً بالمماليك ومن بعدهم؛ فالحاكم صادر السلطة من طرف واحد، ومعها كل القرار وكل المال.

يذكر عبد الله عنان، صاحب الدراسات المشهورة عن التاريخ الأندلسي، أن عبد الرحمن الناصر ترك عند موته (خمسة آلاف ألف مليون دينار)، وهي حسب الأرقام الرياضية خمسة مليارات؛ إذ لم يكونوا يستعملون ألفاظ المليون والمليار. وقصر الزهراء الذي بناه استغرق العمل فيه أربعين سنة، منها خمس وعشرون سنة في حياته، وخمس عشرة سنة في عهد ابنه الحكم. ولم يعمّر أكثر من أربعين سنة، فدُمّر تدميرًا عام 401هـ. ورأيته في إحدى زياراتي إلى إسبانيا، ودخلت المجلس المؤنس، أو ما عُرف ببهو السفراء، الذي ارتجّ فيه الأديب (أبو علي القالي) صاحب الأمالي البغدادي المشهور، في حفلة استقبال سفارة القسطنطينية.

الماركسية في ذمّة التاريخ

يعتبر الناقدون للفكر الشيوعي أن خير ما خرج به كارل ماركس في كتابه رأس المال (THE CAPITAL) توضيحه لفكرة (فائض القيمة)؛ فقيمة أي سلعة تأتي من ساعات العمل المبذولة فيها، ولكن الرأسمالي (الطفيلي) يضيف سعرًا إضافيًا عليها لا يرجع إلى جيب المنتج. فهذا الفرق في السعر المضاف هو مصيبة الرأسمالية؛ حيث يعمل العامل فيُسرق أجره، فلا يُعطى إلا ما يعيش به، ويزداد الرأسمالي غنى على غناه.

هذا الكلام كان واقعيًا يومها، وكان العمال يومها في شرّ حال، ولكن الغرب تملّص من هذا القدر الموجع بنشوء النقابات العمالية، وبروز قوتين جديدتين تتقاسمان النفوذ والمال في ضربة موفّقة، بدلًا من الإقطاع والكنيسة: هما قوة الرأسماليين والعمال.

والذي حدث لاحقًا أن الماركسية قبضت على السلطة بيد من حديد؛ فحوّلت الدولة إلى جهاز استخبارات، والمواطن إلى نكرة، و**(فائض القيمة)** إلى التسلّح، وأصبح الأغنياء الجدد هم كادر الحزب الشيوعي الفوقي، وأصبح كتاب (رأس المال) في ذمّة التاريخ، يقرأه علماء الحفريات والآثار وأركيولوجيا (المعرفة التاريخية).

الذي استفاد من كتاب (رأس المال) وطموحات (الاشتراكية) هي الأنظمة الرأسمالية، العدو اللدود للشيوعية، في تناقض مذهل ومتحارجة تستدعي النظر؛ فأقحمت وطعّمت نظامها بالضمانات الاشتراكية للطبقة المسحوقة من العمال والفقراء، فأوجدت صمام الأمان (VENTILE) ضد الانفجارات الاجتماعية المروّعة.

العبرة ليست بالكلمات ولا الشعارات، ولكن بحقائق الأمور، ويعتبر القرآن ذلك (كلمات ما أنزل الله بها من سلطان)، أي أن الشعارات والدعايات المفرغة من معناها تفتقد القوة والمصداقية والسلطان.

أعظم مأساة في العالم العربي هي هذه المتحارجة، وهو التحدي الأعظم اقتصاديًا ودوليًا في تحقيق الخبز والأمن للمواطن داخليًا، والانتصار في المواجهات المصيرية خارجيًا.

لا يُشترط رفع راية أو علم أو شعار… العبرة في الإنجاز والتحقيق والمصداقية.

صكوك الغفران باسم المسيح

تذكر الرواية أن غنيًا جاء إلى المسيح كي يتبعه؛ فاقترح عليه عيسى عليه السلام أن يتنازل عن كل أمواله فيفرّقها على الفقراء، كي يصبح جاهزًا لبدء المسيرة معه. وتقول الرواية إنه كان غنيًا جدًا؛ فظهرت الكراهية في وجهه، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، ثم تردّد، ثم انصرف.

فالتفت عند ذلك المسيح إلى أصحابه يقول لهم: الحق أقول لكم، لا يدخل ملكوت السموات غني حتى يدخل الجمل ثقب الإبرة. وفي تراثنا قريب من هذا الكلام في المقابلة التي جرت بين أبي سفيان وهرقل، في إحدى سفراته للتجارة في الشام، عندما استدعاه الأخير ليسأله عن نوعية الناس التي تتبع الرسول محمدًا ﷺ: من الأغنياء أم الفقراء الضعفاء؟ ونحن نعرف أن تجّار قريش كانوا أبعد الناس عن الدعوة الإسلامية وكل دعوة؛ فدعوتهم تجارتهم.

والذي حدث أنه باسم المسيح تمّ تدشين نظام (صكوك الغفران)، فأصبحت الكراسي في الجنة تُحجز بموجب (وصولات مالية)، يعتلي فيها الأغنياء مقاعد (الأفق) في هذه الطائرة العجيبة المحلّقة إلى جنة مضمونة؟!

وينزل المواطنون العاديون إلى مقاعد الدرجة السياحية العادية، كلّ حسب دفعه وجيبه ودخله. فالفقراء الذين يعانون من عذاب الدنيا الرهيب وضيقها وحرمانها وشظفها لا حظّ لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ مما عجّل بثورة مارتن لوثر، وتفجّر الإصلاح البروتستانتي، وذيوله من الحروب الدينية المدمّرة.

الذي صمد حتى اليوم هو قانون (العرض والطلب) في السوق، الذي انتبه له آدم سميث في النصف الثاني من القرن الثامن عشر كقانون حديدي، كما جاء في تعبير الاقتصادي البريطاني لاحقًا (ريكاردو) عن نظام الأجور، وأن السوق يصحّح نفسه بآلية ذاتية من خلال العرض والطلب. وكل المراهنة هي في (كم) تدخل الدولة لعدم احتكار هذه الآلية وسوء توجيهها.

أسطورة لعنة ميداس

تذكر الأسطورة اليونانية أن آلهة الأولمب (بزعمهم) اجتمعت لتحقق في يوم متفق عليه أمنية الرجل (ميداس) لبرّه بالآلهة: تمنى ما تشاء وسيُحقق لك فورًا؟! وكان ميداس يحب الذهب إلى درجة العبادة!! فهتف دون ذرة تردّد: أن يتحول كل ما أضع يدي عليه إلى إبريز خالص!!

لم يعش (ميداس) أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن الطعام والماء تحولا إلى ذهب قاتل، فأينما لامست يده الأشياء تحولت إلى ذهب لامع رنّان. فالآلهة برّت بوعدها؟