ليس من الدارج أن يكون قارئ رواية ما مدركا وبوضوح للفكرة المؤسسة التي تختفي وراءها، والمعلوم أن لكل منجز أدبي أو شعري قاعدة فكرية تمنحها  "الرسالة" التي على أساسها تختار عناصر وتفاصيل العمل الأدبي، وضمن إطار هذا الغموض غالبا يبدأ القارئ في تقليب أوراق العمل الأدبي وهو يحاول أن يقوم بعمل مضاعف هو تذوق الجانب الفني والجمالي في ذات الوقت محاولة تلقي الرسالة فهما ونقدا.
إلا أن عمل الأستاذ فيصل بلجيلالي بدا واضحا من عنوانه -عندي على الأقل- إذ وبافتكاكه عبارة "دولة الناس" عنوانا لروايته اتضح بشكل جلي أنه محاولة غير مباشرة لشرح أطروحة "جميل أكبر" وطرحها بالأسلوب البسيط مع اغتناء بالأفكار والمفاهيم التي طرحها في قص الحق خاصة ، حيث الواضح أن أكبر عني بالحقوق السياسية الاقتصادية في قص الحق بأكثر من نظيرتها العمرانية، وأن أطروحته لقت الرواج خاصة لكونه ربطها بالحقوق الاقتصادية خاصة والسياسية بالتبع، فجاءت الرواية محاولة في توقع الكيفيات التنفيذية للأطروحة ذات الأبعاد العملية المباشرة، وبالتالي تفيد قارئها ذي الخلفية الأكبرية في استيعاب الفكرة بأفضل وضوح.
لذلك، فإن هذه القراءة تأتي لتجمع إليها أربعة فواعل هي: 

  1. الرواية وراويها، صاحب رواية "دولة الناس"
  2. قارئ الرواية، كاتب هذا النص
  3. الخلفية الفكرية، صاحب أطروحة قص الحق 
  4. الجمهور المستهدف من قبل الفواعل الثلاث السابقين.

ولعلها أهم ميزة في القراءة، فلا صاحب الرواية روائي محترف للرواية بادي الرأي، ولا قارئ الرواية تستهويه قراءة الروايات كثيرا إلا ما ندر، فالواضح أن دافعي إلى قراءتها كان الارتباط بالخلفية المؤسسة لها، ولا صاحب قص كان سيكفيه أن يؤلف رواية تجزئ عن الأسفار الثقيلة لقص الحق.
لذلك فإنه لا القارئ صاحب هذا النص ولا المقروء له صاحب الرواية، كانا سيشتغلان بالرواية كرواية لذاتها، أعني فنا وذوقا، لولا الخلفية الدافعة، ومعنى ذلك أنهما اتخذا من الفن الروائي وسيلة لا غاية، طبعا كما هو دأب وشأن كل الأدباء والمشتغلين بالأدب، لكن الفارق هو أن الأمر هنا معلن، وهذا التحدي الذي يحاول قارئ الرواية أن يرفعه ويرافع عنه، دون أن يورط الراوي فيه، فإليكم البضاعة.  

استهل الكاتب قصته، التي تحكي عن أحداث مستقبلية تحصل سنة 2084، بصورة كانت الخلاصة ليس عن أحداث قصته فحسب، بل كانت أيضا ترجمة لليوتوبيا التي اختطها جميل أكبر في "قص الحق"، بما صنعه كبديل عن النموذج السائد لحياة الإنسان المعاصر من ألفها إلى يائها. 

ومفاد الصورة ما ورد على لسان الشيخ الذي عاده الناس في بيته بعد إخراج الغازي من "أرض السهل" منتظرين منه تقديم إرشادات وأوامر يبدؤون بها حياتهم الجديدة من دون حاكم أجنبي، فكان جوابه: "إنما أنا واحد منكم لا أملك أن آذن لأحدكم بالسعي في أرض الله فضلا أن أمنعه من ذلك" ص10، صورة فتّتت قدسية مفهوم "المسؤولية المركزية" وأحالته إلى ضرب من "توزيع المسؤولية" على الجميع بالتساوي، بأن الجميع بتحمل المسؤولية والجميع مؤهل مكلّف بعيدا عن منطق طالبي الإرشاد القائم على "مجرى العادة" في القصور والاعتماد على رعاية الأغيار.
اختار الكاتب في روايته أسلوب المقارنة غير المباشر بين مكانين هما  "بلاد الرملة" و "أرض السهل" وزمانين هما زمان ما قبل بزوغ نموذج "توزيع المسؤولية وتحمّلها" وزمن "المسؤولية المركزية"؛ أما المكانين ففي أرض السهل تحصل أحداث المستقبل أو قل تتحقق اليوتوبيا، والواقع أن أرض السهل إشارة عامة إلى كل أرض منبسطة الجغرافيا وهي غالب أراضي البلاد العربية التي تطل خاصة على المتوسط وكذا البحار والأنهار، والتي منها بلاد الرملة.
والرملة حاليا مدينة فلسطينية سهلية تأسست في العهد الأموي كإقليم إداري واقتصادي وعسكري، وقد وقع اختيار الكاتب لها لرمزيتها التاريخية والدينية، فضلا عن كونها مربط ومركز الفساد الجاري في الأرض عامة وبلاد العرب خاصة، ففيه يتركز الاحتلال الاستيطاني الأخير في التاريخ حديثا ومعاصرا، وفيه تجتمع كل مساوئ المنظومة الدولية الراهنة في تجليها السياسي والعسكري والاقتصادي.

أما الزمانين، هما في الواقع زمن واحد يشهد الانتقال من زمن النموذج المركزي إلى زمن نموذج المسؤولية العامة، وهو الزمن الموصوف في الغلاف الخلفي بأنه "سنة 2084 بعد الحرب النووية الشاملة التي محت بلدانا كاملة من الخريطة وعطلت أنظمة النقل والاتصال الحديثة وأغلب التكنولوجيا، وفككت كل الروابط الاجتماعية والمالية والإدارية والتقليدية".

فهو إذن توقع ضمني للصورة التي ستؤول إليها الحضارة الرأسمالية الحالية المهيمنة كونيا القائم على مركزية الطبقة الحاكمة ذات المبدأ الاقتصادي، باعتبار أن استحالة حل المعضلات العميقة التي أنتجها النموذج السياسي الحديث بالنظر لكونها حلول مشروطة بتخلي الطبقات الحاكمة عن مصالحها الطبقية، وهو ما يبدو متعذرا على الأقل في الوضع الحالي، وأن استعادة "الدولة الطبيعية" القائمة على الحرية الفردية المطلقة في استغلال الخيرات واستثمارها مبنية على أساس التوجيهات العامة للتشريع الوارد في الديانة الخاتمة، سوف لن يتحقق بالسلمية والأمن المفترضين، فضلا عن أن طبيعة النموذج السائد الصراعية قد تسبق إليها حرب الطبقات الحاكمة فيما بينها قبل أن تكون حربا بين نموذج وآخر. د/ محمد عبد النور