هي معركة لسيطرة المتمردين من قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، التي ستكون آخر مدينة يتم السيطرة عليها في إقليم دارفور (غرب السودان).
تمت محاصرة الفاشر لمدة ثمانية عشر شهرًا كاملة من المتمردين، الذين دخلوها واستباحوها بعد انسحاب الجيش السوداني. وقد توعّد قائد الدعم السريع بالمعركة بذبح ألفي شخص، وهو ما يحدث فعلًا وفقًا للتوثيقات المختلفة التي وصلت خلال اليومين الماضيين، بأسلوب وحشي متعمَّد. ويتقصّدون نشر تلك المقاطع للضغط على مبادرات التفاوض بوساطات دولية.
قوات الدعم السريع، بعدما عجزت عن حسم معركتها في العاصمة الخرطوم، اتجهت نحو السيطرة الكلية على إقليم دارفور. ومن هناك يتكرر نموذج ليبيا في تشكيل حكومتين داخل بلد واحد، ونموذج اليمن في قيام ثلاث دول داخل دولة واحدة. وهذا مخطط غربي واضح لإعادة تقسيم العالم العربي.
دارفور منطقة غنية وثرية بالذهب ومناجم المعادن ومواد الطاقة، وهي محل أطماع، وتمثل خُمس البلاد. النزاع عليها قديم، وقد تم تغذية محاولات انفصالية فيها سابقًا. كما أن الصراع هناك معقد قبليًا: بين العرب والأفارقة السمر، وبين الغربيين والشماليين، وبين مجرم الأمس حميدتي وهو مجرم اليوم.
يرتكب البغاة (قوات الدعم السريع) مجازر وحشية بأسلوب نشر التخويف والانتقام والبغي القبلي، وقد مارست العصابات سلوكيات الإعدام الميداني، والاغتصاب للنساء والبنات، والتعذيب والتجويع.
الدعم السريع يستعين بطيران مسيّر يحصل عليه من الخارج، يعيق أي تحرك لقوات الجيش الوطني في نجدة المدن، كما يقطع خطوط الإمداد.
عقلاء البلد، والتيار الإسلامي، وعموم الناس مع الشرعية والسلطة الرسمية، وفي دعم الجيش الوطني بصفته مؤسسة وطنية تدافع عن مقدرات الدولة وتمنع تفكيكها وتقسيمها لصالح الأجنبي.
السودان في هذه الحرب قدّم فاتورة إنسانية باهظة؛ فحسب لجنة الإنقاذ الدولية، بلغ عدد الضحايا جراء الحرب خلال سنتين فقط نحو 150 ألف شخص، وهو رقم أعلى من الحصيلة المعلنة للأمم المتحدة التي تتراوح حول 20 ألف قتيل. ناهيك عن أحد عشر مليون نازح ولاجئ داخل البلاد وخارجها.
خلال دراستي في السودان في قسم الفقه المقارن بالدراسات العليا، عايشت أحداثًا سياسية خطيرة، منها حرب هجليج ضد الجنوب، وانفصال المسيحيين والوثنيين، ومحاولات انقلابية على السلطة، وهجوم فاشل على العاصمة. لكن السودان بوعي أبنائه تغلّب عليها وخرج منتصرًا صابرًا. ومع أن هذه الحرب هي أشد محنة عليه، فإننا – مع الوجع والحزن – على يقين بأن الغد سيكون أفضل، وأن الجرح سيندمل، وأن السودان سيعود إلى خيره إن شاء الله.