الشيخ المُحب، من هو؟ 

في كل مرة أمسك بها قلمي لأخُط سيرة مُفكرنا العظيم أجدُني أرفعه عن دفتري بيد مهزوزة وفكر مُتردد سائلة نفسي هل بلغ بي بحثي استقصائي عنه أحقية الكتابة عنه؟، كيف لي ذلك ومُفكرين كِبار وكُتاب عظام قد احتار لُبهم في وصف مُفكرنا الراحل المُقيم والذي أجدني أُأثر على تسميته بالمفكر وإنما أُسميه المُحب فالكثير أو جميع العلماء والمُفكرين قد وضعوا كُتبهم نتاج فكر ألمعي وبراق، أما مُحبُنا هذا فقد سطر كُتبه نتيجة الحُب العظيم في قلبه للقرآن وولهه به.


فالناظر في تاريخه والدارس لِكُتبه سيُدرك حتماً مقدار الحُب المُشع من قلب الكاتب تجاه ما يكتب، بل وإنه بعد دراسة كُتبه وفكره تجد نفسك قد ازددت حباً وكأنك تُحب هذا القرآن لأول مرة وأنت الذي تظُن أنك قد تشربت بحب القُرآن وأنه ليس بعد حبك له حب ولكن سرعان ما تكتشف أنك على خطأ ففي رحلتنا المُختصرة بين سطور مقالنا هذا والمطولة بين جميع كُتبه ستُدرك القُرآن حُباً كما لم تُحبه من قبل وتتمنى لو أنك تلقيته لأول مرة على يد دكتورنا ومُفكرنا ومُحبنا الفريد الدكتور محمد عبد الله دِراز.

في سياق التعريف بمُفكرنا وشيخنا العلامة الدكتور محمد عبدالله دراز أجدني أذكر قول النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالل)، فشيخُنا المُحب قد كان صديقاَ للدكتور المُفكر المُجدد مالك بن نبي وأُستاذاَ لشيخنا ومُعلمنا الأستاذ يوسف القرضاوي والأٍستاذ المُفكر محمد الغزالي الذي كان لا يُقدم أي من شيوخ الأزهر على الدكتور محمد عبد الله دراز، ولا يأتي تعريفنا له بهم هنا في صورة عطف عليهم وتبعية لهم أو تصغيراً له وإنما إن كان هؤلاء أخلاه وتلامذته على هذه الشاكلة فكيف هو وبماذا تفرد عنهم.

دراز

ومن أصدق ما يُمكن التعريف به عن المرء هو أفكاره ومن أعظم أفكار وثمار الدكتور دراز التي تركها لنا هو الدراسة التحليلية الفريدة والجديدة نوعياً في إعجاز القُرآن الأخلاقي الذي يقول فيه أن العرب لم تعجز عن الإتيان بمثل هذا القُرآن لُغوياً وإنما العجز كان أخلاقياً وعجز في التماسك والبناء، وإنه لوجه جديد من ملامح الإعجاز القُرآني الذي لا نلمحه عادة لدى عُلماء القرآن المُهتمين بأوجه الإعجاز المختلفة في القرآن الكريم، وسنناقش هذه الفكرة بشيء من التفصيل لاحقاً.

خِصاله وسيماه

اتسم شيخنا الكريم بالكثير من الصفات الرائعة والمُلفتة والمُلفت أكثر من ماهية الصفات هو تجمعها معاً في نفس القلب والقالب، في محاولة لذِكر صفاته يصفه شيخ أهل قطر عبدالله الأنصاري بأن كان فطناً حليماً مُتقد الذكاء، متأيناً في أفعاله وأقواله، جريئاً مِقداماً عندما يستدعي الموقف، وفياً متواضعاً وديعاً لبق الحديث صلباً في الحق قولاً وعملاً. 

كما وقد قال عنه صديقه الشيخ حسنين محمد مألوف أنه كان الأليف المألوف، والمُحب العطوف، يُرشد بمحبته كما يُبين بحجته، كان ذا شخصية هادئة وإيمان عميق، عزوفاً عن الدنيا ومباهجها، مُعرضاً عن المادة ومفاتنها مُنشغلاً بالباقيات الصالحات، فكُنت لا تراه إذا اختلى بنفسه إلا ذاكراً لله أو تالياً لكتاب الله. 
كان الدكتور محمد عبد الله دراز مُحباً للقرآن عاشقاً له يرى كل شيء بمنظار القرآن ويُطلقُ لسانه في التعبير بألفاظ القرآن وقد بلغ ورده اليومي من القرآن ستة أجزاء، كتب عنه رفيق رحلته العلمية إلى لاهور الشيخ محمد أبوزهرة: "كان يؤمنا في صلاة العشاء، ثم يأوي كل منا إلى فراشه ويأوي هو إلى صلاته وقُرآنه. وكُنتَ لا تراه إلا قارئاً للقرآن أو مُصلياً". ومن ولهه الشديد بالقرآن وتحليل معانيه فلابد أن تشغل الأمة وقضاياها أكبر همومه إذ أن القرآن قد انبثق من الأمة وإلى الأُمة معالجاً جميع شأنها، فما كان من شيخنا إلا أن يتبنى الأمة فكراً وهماً وعملاً، وفي ذلك يقول تلميذه الشيخ العلامة يوسف القرضاوي: "ما حدثنا وجلسنا إليه إلا وجدناه مشغولاً بأمر الإسلام وهموم المسلمين".

في رِحاب أسرته؛ الأزهر المُصغر

وُلد الدكتور محمد عبدالله بن محمد بن حسنين دراز عام 1894م بمحافظة كفر الشيخ بأرض المُجددين جمهورية مصر العربية لأب أزهري العلم والنشأة فقد ربى آل بيته على التقوى يؤمهم في الصلوات ويُدرس لهم كُتب الفقه والدين وقد ساهمت هذه بعد فضل الله عليه في ترسيخ دعائم العقيدة في قلبه ونفسه منذ نعومة أظافره فقد حفظه الله بالقرآن عندما أكمل حفظه قبل أن يُتم عقده الأول. في عام 1905م انتقلت الأُسرة المُباركة إلى الإسكندرية ليُساهم الأب الشيخ عبدالله دراز في تأسيس معهد بها والتحق بذات المعهد شيخنا ومُحبنا الدكتور محمد عبد الله دراز حيث تخرج فيه وحصل على الشهادة الإبتدائية منه. 
جاءت تنقلات الوالد في عمله في مصلحة الشيخ محمد عبد الله دراز حيث بقوا في كنف الأسرة يتلقون من والدهم التعاليم الدينية والفقيه من باب واجبه التربوي ويلتحقون بالمعاهد التي يُساهم في تأسيسها لإكمال تعليمهم الأكاديمي؛ فقد حصل دراز على شهادته الثانوية عام 1912م من الجامع الأحمدي الذي عمل به والده أيضاً وذلك بمدينة طنطا. عادت العائلة بعد ذلك إلى الاسكندرية حيث أكمل دراز تعليمه في المعهد الأزهري بالاسكندرية وحصل منه على الشهادة العالمية متفوقاً على جميع أقرانه.
كانت تجربة دراز المهنية الأولى هي التدريس بنفس المعهد الذي تخرج فيه، حيث عمل به أستاذاً وهو في أوائل عقده الثاني من العُمر، وقد درج على تعلم اللُغة الفرنسية في دروس مسائية حيث ساهمت في تشكيل تكوينه الفكري كما وأنها ساهمت بشكل أو بآخر في السياسة آنذاك واستخدامها في مجالات الخطابة والتوعية كما وأنها فتحت له العديد من الفُرص فيما بعد وذللت له سبيل الدراسة في السوربون بعد ذلك. عمل الدكتور دراز في بجامعة الأزهر في القاهرة عام 1928م وتدرج وتنقل بين أقسام الجامعة، وعندما من الحج عام 1936م حصل على منحة للدراسة في فرنسا من قِبل الملك فؤاد بجامعة السوربون في باريس.

محمد عبدالله دِراز مُصلح أخلاق الغرب

لما كان الشيخ محمد عبد الله دراز محموماً مهموماً بالأمة وقضاياها وهيبتها وعزتها بين الأمم رأى أن في منحة دراسته بالسوربون فُرصة لنشر الفكر الإسلامي والقرآني بالطريقة المُنزلة لترُد الشُبهات التي تُلحقها بها تأمُلات المُستشرقين التي تأتي ثمارها على هواهم، ربما ظن الدكتور دراز أن هذه منحته وفرصته بفعل شئ يُحتسب للأُمة؛ ولكنها كانت منحة الله سبحانه وتعالى للأمة أن بعث فيها مُجدداً يُلجم ألسنة المُتطاولين عليها في أرضهم ومن كُتبهم وتحت مُراقبة وإشراف أساتذتهم وكِبار مُستشرقيهم.

كان دراز محموماً بالرسالة القرآنية مسكوناً بفكرة أن القُرآن لم يصل إلى العالم كما يجب فهو الرسالة الشاملة إلى الناس كافة ولابد أن يتساوى الناس أجمعين في فهمه وإدراك مكنوناته ورأى أن ذلك من واجبه إيضاح ذلك اللبس وسد الفجوة التي حدثت في فهمه بسبب إختلاف اللغة، لذلك وجد دكتورنا فرصته في تصحيح مسار هذه القضية بدراسته في فرنسا جيث أن لُغته الفرنسية كانت ممتازة جداً مما سهل عليه أمر الإنخراط في المُجتمع الأوروبي وفهم تكوينه. 

قبل بداية دراسته أخذ يُعد نفسه جيداً إذ أن الأمر لم يكن بالنسبة له مُجرد بحث دكتوراة أو نيل شهادة بدرجة علمية يُكلل بها اسمه، وإنما كان الأمر قضية عقدية إما أن يكسبها أو يكسبها، مكث الدكتور يدرس كثيراً في الفلسفة الغربية وفكرهم وأخلاقهم وعلومهم وتعلم على يد كبار المُسشرقين مثل لويس ماسينيون وليفي بروفنسال حتى يتمكن من أن يُصيب برسالته صميم المُجتمع الأوروبي إصابة تهزه وتجعله يُعيد نظره في القُرآن وفي الدين الإسلامي، وقد حدث ذلك من قبل أن يكتب رسالته إذ أن باريس استضافت مؤتمر حوار الأديان عام 1939م إذ أن الذي كان يُمثل الدين الإسلامي آنذاك هو الأزهر الشريف فتم توجيه الدعوة إلى شيخه آنذاك الشيخ محمد مصطفى المراغي ولكنه آثر أن يمنح هذه الفُرصة للدكتور محمد عبد الله دراز لوفرة علمه وثقته بإيمانه بالقضية وأنه كان موجوداً في فرنسا بحلول وقت المؤتمر.

وافق الدكتور دراز على أن يُقدم ورقة في هذا المؤتمر يُحاور فيها ما هو أبعد من الحضور في المؤتمر وإنما مُحاوراً ثقافات ومُجتمعات وأفكار وعقائد متوارثة مُنذ غابر الأزمان، بهذا المؤتمر رمى دراز رميته الأولى في المُجتمع الأوروبي وقد أصابته في مقتل إذ أن جميع الحضور دُهِشوا لكفاءة الورقة وأبدوا إعجابهم بهذه الفكرة الجديدة عن الإسلام وما ذلك إلا ناتج أسلوب شيخنا في الحوار وفي إيصال الفكرة بطريقة مُبهرة يعجز بعدها المُشككون عن الرد، وفي الصباحي التالي للمؤتمر كانت جميع الصُحف تتحدث عن الدكتور دراز وعن ورقته وعن محتواه إذ اتفق غالبية الحضور على أنها أفضل ورقة طُرحت في المؤتمر من بين جميع الأوراق الأُخرى.


أحدث الشيخ المُحب دراز ثورة قُرآنية عظيمة أثارت ألباب المُسلمين قبل غيرهم إذ أن فكره وعلمه وحبه وغيرهم مُجتمعين مكنوه من أن ينظر للقرآن نظرة أُخرى غير التي اعتاد عليها العالم الإسلامي بمشايخه ومُفكريه وخرج لنا بالعديد من الكُتب والأفكار التحليلة التي تضعك في زاوية مُختلفة تماماً تجعلك ترى القُرآن وكأنك تراه لإول مرة، وربما حبه الشديد للقرآن هو الذي جعله يرى فيه ما لم يره غيره وكأن مكتبه ويقوله في كُتبه إلهام من الله سبحان وتعالى أكثر من أي شئ آخر إذ يقول عنه شيخ البلاغيين محمد أبو موسى أنه يكتب منائح الله له؛ وكأن ما مُنح له لم يُمنح لغيره.


ولما رأى الدكتور ما يفتك بالمُجتمعات من فساد أخلاقي وسلوكي كانت رسالته في أكثر شئ أتى القرآن لتأصيله من بعد العقيدة ألا وهو الأخلاق، فكانت رسالته بعنوان (La Morale Du Koran).. 

coran draz

ولما أنها كانت بالفرنسية قام الدكتور عبدالصبور شاهين – حفظه الله وأثابه خيراً عن جميع أعماله – بترجمتها إلى اللُغة العربية تحت عنوان: (دستور الأخلاق في القرآن الكريم)، ناقش الدكتور في رسالته هذه العقول الفلسفية في مجال الأخلاق من غير المُسلمين مثل أفلاطون وسُقراط وإيمانويل كانت وجميع الذين عملوا على إرساء الدعائم الأخلاقية، وما دفع الدكتور للخروج بهذا العمل هو سد الفجوة التي تجاهلت الإسلام كمصدر أخلاقي إذ أنه لاحظ وجود قفزات تاريخية في تأصيل علم الأخلاق من الحقبة اليونانية إلى العهد الأوروبي الحديث مُباشرة دون الالتماس للأخلاق الإسلامية، وفي رسالته أثبت سمو الرسالة الإسلامية والقرآنية على غيرها من النظريات الأخلاقية الأخرى حيث استخلص النصوص القُرآنية التي تعرض لقضية الأخلاق ليُمثل بها تصور القرآن لهذا الموضوع ورتبها ترتيباً منطقياً ولم يتقيد بترتيب السور وسار على اصطلاح فلاسفة الأخلاق في دراسته للموضوع، ذلك وبالطبع دون أن يغفل عن التنبيه إلى أن القرآن ليس كتاباً نظرياً وبيّن الفروق بين منهج التعليم القُرآني والتعليم الفلسفي.

نجح الدكتور بإرسال رسالته أيما نجاح إذ أنه يُقال بإسلام العديد ممن حضروا مناقشة رسالته، وبالنظر لهذا أجدني ألتمس في فكره وطرحه إعجازاً بحد ذاته إذ أنها مُنقاشة رسالة بحث وليست دعوة للإسلام وقد أسلم من وقعها على النفوس بعض من حضورها فكيف إذا ما أراد بأمره هذا دعوة قاصدة خالصة للإسلام فلا أتصور أنه كان سيفلت من بين يديه أحد دون أن يسلم إذا ما اتجه لمجال الدعوة ولكن عُمره القصير حال دون ذلك ولعله خير، فإنه قد صب جُل تركيزه على تبيان القُرآن و أخذ على كاهله جمعه في قوالب تسترعي الإنتباه وبيانه بطريقة لا تترك للسامع والمتلقي لعلمه بأي شكل من الأشكال مفراً من التصديق به والاعتراف بجميع أوجه الإعجاز فيه، وإنه لما كان مُنحازاً للإعجاز الأخلاقي في القرآن وكان الرائد في إكتشاف هذه المنطقة سماه البعض بفيلسوف الإلزام الأخلاقي. 

سببت رسالته هذه أيضاً القلق في نفس بعض المُستشرقين المُفكرين المتمسكين بأفكارهم ونظرتهم المتوارثة الثابتة عن القُرآن والدين الإسلامي وقد وجدوا في أنفسهم حرجاً من هذا المُفكر وما يأتي به من أفكار وما يمتلكه من أسلوب إقناع وما يحويه دينه وقُرآنه من إعجاز أخلاقي، فعلى في أنفسهم صدق حديثه وتفوقه عليهم ولكن استكبارهم منعهم من التسليم به والإسلام له.

طيلة هذا العقد وزيادة الذي مكثه شيخنا بفرنسا واجه الكثير من المصاعب والأهوال بسبب نيران الحروب التي كانت مُستعرة في العالم أجمع آنذاك وفي فرنسا تحديداً، فقد كانت تقع على عاتقه وزوجته مسؤولية عشرة أطفال لم يتجاوز أكبرهم سن المُراهقة؛ فبطبيعة الحال لم تكن الحياة مُستقرة كما وأنها كانت مليئة بتهديدات الحرب وغاراتها المتواصلة وشبح الموت وخطر الإصابة يلوح أمام النوافذ، إستجابة للفطرة الطبيعية للحماية قرر الشيخ دِراز أن يقسم الأًسرة إلى نصفين، نصف يسكن في الريف مع الوالدة والنصف الآخر يبقى مع الأب ليواصلوا دراستهم.

وبالرغم من هذه المخاطر وهذه الهموم التي إذا ما ألمت بأي شخص كانت كفيلة بأن تدفعه للعودة إلى وطنه للإستقرار خاصة وأن السفارة المصرية كانت قد عرضت عليه أكثر من مرة فُرصة له هو والأبناء وزوجته للعودة إلى الوطن سالمين عبر رحلة طويلة قد تكون الأخيرة قبل أن تتوفر رحلة أخرى، ولكن هم الأمة في قلبه كان أكبر من أي خوف أو أي حرص قد يحول بينه وبين إيصال رسالته وأداء واجبه المُحتم في عكس صورة الأمة ومُقدساتها ودستورها القُرآني.


دِراز؛ كيف يحس ويشعر ويُحب فيفكر ويكتب

يقول الدكتور محمد مُختار الشنقيطي في كتابه فيلسوف القرآن الكريم عن شيخنا المُحب عبد الله دراز أن مثله في استيعاب الثقافة الغربية على بُعدها عن الوحي القُرآني والثقافة الإسلامية بكل ما شابها من دَخن القرون كمَثل النحلة، تأكل من كل الثمرات على اختلاف ألوانها وأشكالها ثم تصوغها في ذاتها عسلاً شهداً. ذلك أن الدكتور لم يتأثر بالثقافة الغربية فقد بقي مُحافظاً على جميع ملامحه العربية الاسلامية الأصلية حتى في لبسه فإنه من القلة الذين ذهبوا إلى الغرب وعادوا بمظهرهم العربي فقد بقي مُتشحاً باللباس الأزهري الذي يتحدث قبل لسان صاحبه أنا أزهري.

draz3

 بل ما كان من دراز ما هو أكثر إبداعاً من الإبداع في حد ذاته في فكره وتحليله وتخطيطه إذ أنه وبرغم الفساد الأخلاقي الذي يتوشح به المُجتمع العالم الغربي والذي يتوسده ليل نهار لم تُكن نظرة دراز إلى هذا المُجتمع نظرة الناقد الفيلسوف المُنظر الذي يتصيد الأخطاء ليُظهر حسن ما عنده بالضد، بل كانت نظرته نظرة المُصلح المُعيد الإنسانية لفطرتها وهذا ما ظنه في نفسه وأثبته بعمله، فقد جلس يدرس المُجتمع الغربي ويُحلله ويُراقب تطوراته حضارة بعد حاضرة راصداً ذلاته وفجواته مُهيأً نفسه لسد ثغراته بما اعتصره من خلاصة الأخلاق في قُرآننا وديننا الحنيف، وبهذا قد أصبح مُصلحاً للمجتمع الفاسد مُعبراً عن الأُمة الإسلامية التي يجتازها العالم ويتقول عليها الأقاويل.

كان الشيخ دراز ينهج مبدأ الإسلام الوسطي في تناوله لعدد من الثنائيات وهي: العقل والنقل، السنة والبدعة، الجبر والاختيار، السلم والحرب، العلم والدين، الخلق والقانون...الخ. فهو يرى أن «التمييز بين الخير والشر... إلهام داخلي مركوز في النفس الإنسانية قبل أن يكون شِرْعة سماوية». بيد أن الشرع الإلهي «يكمل الشرع الأخلاقي الفطري»، وهي تكملة ضرورية للفطرة الإنسانية التي تشوبها شوائبُ صادَّةٌ عن الحق والخير، أو ظلمات قائدة إلى الحيرة والاضطراب.  وبدون نور الوحي، فإن البشر يظلون في صراع دائم حول تعريف الخير والشر «ولسوف تُقاوَم عقول بعقول، كما تُقاوَم عواطف بعواطف».

مواقف بطولية

للدكتور دراز العديد من المواقف التي لا يُمكن أن يغفل عنها الدارس لسيرته والمُتتبع لأثره وسنأتي على ذكر ثلاث منها علها توقد في نفس القارئ المصباح الذي سيضيء له خارطة الطريق لحياة دِراز وتُعينه على تصور سلوكه وكيف عاش حياته.

  • في أولى وقفاتنا معه وأثبت مواقفه على تمسكه برسالته وقضيته ما أُثر عن ابنه مُحسن دِراز أنه في غارات الحرب وأثناء القصف كان والده الدكتور محمد دِراز يحتضن أوراقه وملفاته التي تخص بحثه خوفاً عليها من أن تطالها طائلة الحرب فتتلفها وتُدمرها، وبهذا قد حفِظ لنا كنزاً هو أول من حفر لاستخراجه وشق الطريق لهذا العلم والله للسالكين من بعده.
  •  كان الدكتور عبد الله دِراز فصيح اللسان سليم الفكر قوي الحجة وقد ظهر ذلك في الكثير من المواقف في حياته السياسية واحتكاكه بمثل هذه النشاطات وعلاقته بالحكومات، في مرة من المرات أثناء إقامته في فرنسا قامت الحكومة بإعتقال العديد من المصريين بحجج واهية وأنهم جواسيس، ولكن قام الدكتور بالتوسط لهم ومحاورة أعيان الضباط للعديد من الأيام حتى تمكن إقناعهم بالإفراج عن المُحتجزين وإخلاء سبيلهم.
  •  إن أكثر ما يُظهر صدق الدكتور دِراز في رغبته الحقيقية في التغيير الجذري لكل ما تطاله يده هو حين رفض أن يشغل منصب شيخ الأزهر والذي هو منصب ليس لأحد عادي أن يرفضه؛ فالأزهر يُمثل الإسلام في العالم آنذاك ومن لا يُريد أن يُمثل الإسلام وهو دين الحق، ولِأن الدكتور دِراز أراد أن يُمثل الاسلام على ما هو عليه رفض هذا المنصب أكثر من مرة لِأنه ارتأى أن تكليفه بهذا المنصب تُديره أيدي خفية تُريد السيطرة على الأزهر وعلى من يرأسه للتحكم في تصريحاته وانتماءاته وهذا ما لم يرتضيه الدكتور دراز لنفسه ولدينه واشترط أن تُترك له الحرية في أن يبسط يده للإصلاحات التي يراها مطلوبة في الأزهر؛ ورُفض شرطه فرفض المنصب.
المناصب التي شغلها

عند عودته إلى مصر أصبح الدكتور دراز عضواً في هيئة كِبار العلماء عام 1949م؛ كما عمل في العديد من الجامعات المصرية أستاذاً للعديد من المواد الدينية والفلسفية، إلى جانب هذا عمل الدكتور بالعديد من الهيئات واللجان الثقافية؛ منها:

  •  اللجنة العُليا لسياسة التعليم بوزارة التربية والتعليم.
  • المجلس الأعلى للإذاعة.
  • اللجنة الاستشارية للأزهر.
  •  اللجنة المكلفة بمراقبة الامتحانات العامة في الأزهر.

كما شارك الدكتور بالعديد من المؤتمرات العالمية، منها:

  •  المؤتمر العالمي لحوار الأديان بباريس عام 1939م.
  •  المؤتمر الدولي للجامعات بمدينة نيس الفرنسية عام 1950م.
  •  مؤتمر التشريع الاسلامي بباريس 1951م.
  •  مؤتمر الثقافة الإسلامية بباكستان 1958م.
آخر محطة في حياته

آخر محطة كانت في حياة الدكتور محمد عبد الله دراز هي مشاركته بمؤتمر الأديان بلاهور بباكستان عام 1958م، حيث كان قد أعد ورقة مُحكمة لمُناقشتها في هذا المؤتمر ولكن يحكي رفيقه في هذه الرحلة أنه لم يأذن الله سبحانه وتعالى له بإلقائها فقد وافته المنية فُجاءةً إثر ذبحة صدرية ألمت به.
كان موت الدكتور دراز صدمة عظيمة للمُجتمع الاسلامي والعلمي آنذاك واستقبل جُثمانه بمصر الآلاف المؤلفة لأداء صلاة الجنازة عليه وإيداعه روضة من رياض الجنة بإذن الله تُعالى، يُحكى عن من شهد ذلك اليوم أن السماء قد فاضت أمطاراً فقيل أن السماء والأرض بكتا على موت الدكتور المُحب مُحمد عبد الله دراز وما هو على ربه بكثير، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يخلُف فينا ومنا من هو مثله وخيراً منه بإذن الله تعالى.

ثمرات
النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن الكريم – 1952م

النبأ العظيم

في هذا الكتاب انتحى شيخنا منحيين على اختلافهما يتفقان في النتيجة وهي أن القُرآن مُعجزة، في المبحث الأول قام شيخنا المعنى اللغوي والاصطلاحي للقرآن الكريم في سياق التعريف به، وتضمن هذا البحث بيان سر اختصاص القرآن بالخلود وعدم التحريف؛ والتفرقة بين القرآن وبين الأحاديث النبوية والأحاديث القدسية هذا مجمل ما تضمنه هذا المبحث.
أما المبحث أو المنحى الثاني فقد كان هو لُب فكر الدكتور المُحب دراز والذي أتى فيه بما لم يأتي به الأولون، في هذا الجُزء من الكتاب يُناقش لنا الدكتور دراز مصدرية القُرآن وجاء الإبداع في هذا الفصل مُنبثقاً من أصل أن الدكتور كان يُنقاش مُجتمع غربي لا فكرة له عن القُرآن ولا قِبل لهم بُلغته ولا طاقة لهم لإدراك فحواه من دون التدريج الأول الذي نزل به القرآن لأول مرة؛ فلو أنه كان يُخاطب العرب المُتشككين أو المُسلمين لزيادة اليقين لكان السياق هو المُعتاد ولكنه لخواء عقل المُخاب مما يُخطب عليه قد أبدع في ضحد نظرية أن القُرآن رُبما ينتمي لمكان غير السماء.
 في المرحلة الثانية من هذا المبحث بين الدكتور دراز أن الإعجاز الحق الذي أُعجز به الأولون عن الإتيان بمثله هو الإعجاز الأخلاقي وإعجاز التماسك وقوة البُنيان، يقول الدكتور دراز أن القُرآن يتميز بإشباع العقل وإمتاع العاطفة وأنه لو كان بشراً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وتتأثر نفسيته بما يُلم به فإنه من الإستحالة أن يأتي بمثل هذا الكلام الموزون في جميع آيه وفي جميع كلِمه؛ فكل آية فيه مهما كان موضوعها ومهما كان موضعها فهي تُخاطب العقل وتُقنعه وتهدهد العاطفة وتهزها في نفس الوقت.

دستور الأخلاق في القرآن الكريم – 1950م

دستور الاخلاق في القرآن

دستور الأخلاق في القرآن كتاب فريد استكشف فيه الشيخ العلامة محمد دراز أرضا علمية لم يكد يطأها أحد قبله, واجتهد فيه للكشف عن الشريعة الأخلاقية في القرآن الكريم, مبينا سموها على غيرها من النظريات الأخلاقية الفلسفية. 

نبه الشيخ في دراز في مقدمة رسالته إلى وجود فجوة عميقة في كتب منظري الأخلاق فهم يقفزون من تراث اليونان والفكر اليهودي النصراني إلى الفكر الأوربي الحديث. هذا التجاهل لدراسة الأخلاق القرآنية - في نظر الشيخ- يحرم الانسانية من حل المعضلة الأخلاقية.


 ولما كانت المكتبة الإسلامية نفسها تفتقر إلى مصنف يجلي حقيقة الشريعة الأخلاقية في القرآن الكريم, فإن الشيخ دراز سعى ببحثه هذا لسد تلك الفجوة كما صرح بذلك: "ملء هذه الفجوة في المكتبات الأوربية، وحتى نرى علماء الغرب الوجه الحقيقي للأخلاق القرآنية، وذلكم في الواقع هو هدفنا الأساسي من عملنا هذا" (دستور الأخلاق، ص:4). استخلص الدكتور النصوص القرآنية التي تعرض لقضية الأخلاق، ليمثل بها تصور القرآن لهذا الموضوع، ورتبها ترتيبا منطقيا، ولم يتقيد بترتيب السور، وسار على اصطلاح فلاسفة الأخلاق في دراسته للموضوع، دون أن يغفل عن التذكير بأن القرآن ليس كتاباً نظرياً، وبين الفروق بين منهج التعليم القرآني والتعليم الفلسفي.

مدخل إلى القُرآن الكريم – 1949م

جاء الكتاب في ثلاثة أبواب؛ الأول: في حقائق تاريخية أولية، والثاني: في القرآن من خلال مظاهره الثلاثة الديني والخلقي والأدبي، والثالث: في المصدر الحقيقي للقرآن، وجاءت الخاتمة: لتبين حقيقة الإسلام، وأنه الدين الأوحد الذي لم يأل الرسل جهدًا في الدعوة إليه منذ نوح وإبراهيم حتى موسى وعيسى عليهم السلام. ويبطل كل المزاعم الخاطئة التي لُفقت له، لينتهي إلى أن منهج القرآن الكريم هو المنهج القويم، والنموذج الأخلاقي الأرقى.

مدخل إلى القرآن

الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان – 1952م

قام شيخنا في كتابه هذا بشق طريق رَسَم من خلاله خريطة تاريخية عن مكانة الدين في الحضارات القديمة في مصر واليونان وبلاد الرومان، ثم في العصر المسيحي، والعصر الإسلامي، وانتهى إلى العصر الحديث، وأسهب في شرح حال الدين في مختلف هذه العصور والمراحل، وأشار لقضايا الشك والتسامح في هذه الحِقَب. والحقيقة أن ثمة مشكلة منهجية يقع بها الكثير من دارسي الأديان، ذلك أنهم لا يعرِّفون الدين فتراهم يخلطون بين ما هو دين، وبين ما هو خرافة أو فلسفة أو عادة اجتماعية أو تقليد قبلي.
لذلك أصر الدكتور دراز رحمه الله في البحث الأول على تجلية هذا المفهوم تجنباً للخلط، وأراد أن يتحدث عن الدين بمفهومه العام لا الأديان السماوية فقط، ولا الأديان الصحيحة فقط، وإنما ظاهرة الدين بحد ذاتها أياً كانت، وحاول فهم الأمر ابتداء من اللغة ومعاجمها، وانتهى إلى خلاصة لغوية في معان متقاربة، ويدور بعضها حول بعض، بعد ذلك طاف على تعريفات الكثير من الفلاسفة والمفكرين وتناولها بالنقد والتمحيص الذي أظهر من خلاله أن ثمة قصوراً في الكثير من هذه التعريفات، واستطاع في نهاية تطوافه وبحثه أن يصل إلى تعريف يرتضيه هو.

بعض مؤلفاته الأخرى
  •  من خلق القرآن – مجموعة أحاديث إذاعية له نُشرت عام 1979م.
  •  المختار من كنوز السنة النبوية: شرح أربعين حديثا في أصول الدين – 1932م.
  •  نظرات في الإسلام 1958م.
  • الميزان بين السنة والبدعة 1934م.
  •   أصل الِإسلام 1958م.
  • الصوم تربية وجهاد 1980م.
  •  زاد المسلم للدين والحياة – أحاديث إذاعية له نُشرت عام 2008م.
     
 قالوا عنه
  • محمد الغزالي:

(ولولا أن الرجل حافظ فاقِه لكتاب الله، وضليع مكين في آداب العربية، وعابد مخبت تكشفت أمام بصيرته النيرة الحِكم البالغات التي غابت عن غيره ما استطاع أن يصور لنا هذه المعاني ويجعلها منا رأي عين).

  •  شيخ البلاغيين محمد أبو موسى:

( إنه يكتُب منائح الله له).

  •  يوسف القرضاوي:

( العالم العلامة، الحبر البحر الفهامة، العالم النوراني، والمعلم الرباني، ناصر الحق، مرشد الخلق، وحيد دهره وفريد عصره)، يقول الشيخ يُوسف القرضاوي أن هذه الصفات قد وُصف بها غيره واتصفوا فيها جُزئياً، ولكنه تطنبق عليه هذه الصفات تماماً كمالاً في واقع حياته كلها.
وفي ختام هذا العمل المتواضع لا أقول إلا أن الأستاذ الدكتور الشيخ المُفكر المُحب شخصية صعبة، يصعُب أن تُحاط أو تُترجم ببضع أسطر ما هي إلا شاهد عجزنا عن وصف قدره وسرد دوره الذي برع في أدائه، وإنه قد أسرني فكره وعلمه وحبه وما من مرة نمت فيها بعد كتابتي عنه إلا ورأيت في المنام أجد كنزاً ثميناً عبارة عن الكثير والكثير من الكُتب للدكتور كُتب منسية أو غير منشورة؛ هذا لشدة ما يُلاقيه المرء من عجب في كتاباته تجعله يتمنى أن لا تنتهي مؤلفاته وتُشعره لأول مرة بأن أربع وستون لهو عمر قصير جداً ولكن أمر الله نافذ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر له ويرحمه ويتقبله قبولاً حسناً وأن يتقبل منه علمه واجتهاده ويجعله شاهداً له لا عليه. والآن بعد دوره ما يكون علينا إلا أن نقتدي به في الفكر وننوب عنه في التطبيق ولا يجب علينا الإكتفاء بنقل كلامه والتغني بمُنجزاته فكما يقول هو - بتصرف - لو أنا بقينا نكرر ما قيل وإذا لم نخرج بما هو جديد ونافع للأمة فجل ما نفعله هو إضاعة للوقت والعمر.