يعتمد جيش الاحتلال في حربه العبثية في قطاع غزة على ثقافة الرمزيات، بحيث يعتبر تلك الرمزيات شبه الخطر الوجودي، وتدميرها أو القضاء عليها هو الانتصار المطلق لدولته التي ضُربت في مقتل، وتراكمت حجارة السردية التي قامت عليها بعضها فوق بعض تمامًا. وما تفعله من حرب عبثية اليوم ليس إلا كما يسمى في الأدبيات الساخرة برقصة البجع.
لقد انهارت ثلاث سرديات كبرى عاشت بها دولة الكيان كفطر يمتص دماء العالم بالمجان لعقود طويلة:
- سردية المظلومية التي صورتهم كشعب مقهور مقموع بلا أرض، مما جلب تعاطف الشعوب الغربية برمتها معهم.
- سردية الجيش والمخابرات التي لا تُقهر والأكثر أخلاقية في العالم، والتي أصابت الجيوش العربية بالهلع وتركتهم يشعرون بالاستقرار منذ 73، ويراكمون القوة بالمجان.
- سردية الدولة الأكثر ديمقراطية في الشرق الأوسط، التي جعلت الدول الغربية شعوبًا وحكومات تدعمها كامتداد حضاري لها في المنطقة.
لا يمكن لهذه السرديات التي تحطمت أن تُجبر مطلقًا، فهي القواعد الصلبة الرئيسية التي كان يرتكز عليها سقف الدولة وحطمها الطوفان تباعًا. لكن لا تزال بعض القواعد الثانوية الأخرى قائمة، غير أنها لن تقوى على حمل ثقل ذلك السقف أبدًا، وسيهوي قريبًا. وفي سبيل استعادة السرديات تبيّن أنه لا يمكنه أبدًا استرجاع سرديتين من ثلاث، وهما سردية المظلومية وسردية الأكثر ديمقراطية، بالإضافة إلى النصف الثاني من سردية الجيش، إذ تأكد أيضًا أن "الأكثر أخلاقية في العالم" ضاعت هي الأخرى وإلى الأبد.
إذن ما الذي بقي له من أمل لاسترداده في محاولات يائسة؟!
بقيت سردية واحدة فقط وهي سردية الجيش والمخابرات التي لا تُقهر. ومن هنا نعود إلى حرب الرمزيات حتى نفهم كيف يسعى لترميم ما يمكنه ترميمه. فقد فتت جيش الاحتلال أهدافه المعلنة حسب درجة الهلع التي أصابته في 7 أكتوبر، حتى لا يُصاب بنكسة أخرى، فراح في كل مرة يصنع رمزية ليقول إنه تخلّص منها ويعلن انتصاره، ليراكم مسمى الانتصار على أسماع شعبه الذي تعرض لأول مرة في تاريخه لخطر وجودي حقيقي.
في البداية كان يركز على السنوار من حيث الأشخاص، وعلى مستشفى الشفاء من حيث المباني. تم اقتحام مستشفى الشفاء وتبيّن أنه هدف مدني عبثي لا علاقة له بالمعركة أصلًا، إنما هو ورقة للاستهلاك الإعلامي وتسويق نصر سياسي في سبيل استرداد شيء من الهيبة المهدرة. وفي حربه على الشمال قبل الهدنة الأولى ركز على التهجير وسوّق المشهد على أنه انتصار ساحق، لكنه فوجئ بمقاومة باسلة كبّدته خسائر فادحة في بيت حانون وجباليا، ومرغ أنفه في الشجاعية وأحياء غزة المختلفة: التفاح والزيتون والشاطئ وغيرها. وهكذا ضاعت منه الرمزيات وفقد الهدف المعلن مع صمود عدد كبير من عائلات الشمال.
فقرر الدخول في هدنة وإعلان الهدف الأكثر رمزية وهي خانيونس بوصفها "عاصمة حماس". بعد قتال مرير بفرق عسكرية كاملة وأكثر من 4 أشهر متواصلة، تبيّن أن كتائب خانيونس ليست هدفًا سهلًا كما كان يظن، وفعلًا فقد زخم الرمزية من جديد. فاخترع هدفًا جديدًا كرمزية للضغط، وهي رفح، وكثّف الهالة الإعلامية حولها حتى جعلها كأن كل غزة في كفة ورفح في كفة أخرى. فاندفع من جديد في معركة مهولة في رفح باحثًا عن إعادة اعتبار جديدة، فحدث بالصدفة استشهاد السنوار فيها مقاتلًا في ساحة المعركة، وليس في الأنفاق هاربًا أو مختبئًا. وهكذا ضاعت منه فرصة الرمزية من جديد، وتبيّن له أن كتائب الشمال لا تزال تدكه بقوة.
فاخترع رمزية جديدة وهي فصل الشمال عن الجنوب بمحور نتساريم وإعلان خطة الجنرالات. مارس من خلالها المجاعة والحصار المطبق، لكنه واجه ملاحم عظيمة في بيت لاهيا وجباليا وبيت حانون، وتكبّد خسائر فادحة ومتوالية اضطرته لهدنة أخرى. صنعت فيها المقاومة رمزية خاصة بها أصابته في مقتل من جديد، من حيث موكب العودة للشمال بعد تفكيك محور نتساريم، ومراسم تسليم الأسرى في كل أسبوع، وهو ما أصابه بالجنون فعلًا! كما أن المقاومة أفقدته لذة الانتشاء بإعلان استشهاد عدد من كبار القادة العسكريين بعيدًا جدًا عن أيام استشهادهم، فمرّ الخبر بلا طعم ولا لون في سياق استعادة الهيبة، وبقي عدد الأسرى هو الضاغط مع ضياع الهيبة.
بعد استئناف الحرب من جديد فقد الاحتلال تمامًا بنك الرمزيات، واخترع من جديد اسم "عربات جدعون" ضد المدنيين والبيوت المدمرة، بعد أن جرّب حظه مع إيران والحوثي وحزب الله. فاصطدم مرة أخرى بحجارة داوود واضطر لمزيد من الخصم في رصيده الأخلاقي بالمجاعة القاتلة التي ظنّها مفتاحًا لإخضاع المقاومة. ومع تزايد الأصوات الناقمة عليه وعلى دولته المفلسة، اليوم يبحث جيش الاحتلال في مدينة غزة عن رمزية جديدة لاستعادة الهيبة والبحث عن شعور بالنصر لم يجده بعد.
غير أن غزة المدينة ليست عاصمة بها قصر رئاسي أو وزارة دفاع أو مطارات دولية أو مراكز إذاعة وتلفزيون حتى تسقط. هي مدينة بلا معالم أصلًا مثلها مثل بيت حانون، ولن يعني احتلالها في ميزان الرمزيات أي شيء، سوى مزيد من الخسائر الأخلاقية والعسكرية، دون أن يمتلك أي صورة تسويقية للنصر. لقد خسرت دولة الاحتلال الحرب قبل انطلاقتها يوم سلّمت أمرها لليمين الأحمق الذي استفز المقاومة وسرّع من توقيت الطوفان. وزاد الطين بلّة وصول ترامب للحكم، الذي لا يدرك قليلًا ولا كثيرًا في عقلية المقاومة والشعب الفلسطيني المتشبث بقضيته حتى النهاية.
هذه المآسي على دولة الاحتلال لا يراها الحس المباشر، لكن أي واحد يفهم سنن التاريخ للدول يعرف أنها ضربات قاضية لن يتم التعافي منها أبدًا. ومهما طالت رقصة البجع، فإنها في نهاية المطاف ليست أكثر من سكرات موت معجّل. وستكون معركة غزة المدينة واحدة من أهم سكراتها.