من أجل تأسيس نظام تعليمي يتفاعل مع بيئته ويتناغم مع خطة التنمية الشاملة، لترقى مخرجاته إلى مستوى إشباع الحاجات المعرفية للمجتمع وتحقق التوازن بين العرض والطلب في سوق العمل، من أجل ذلك يجب دراسة النظام التعليمي القائم وتحديد أوجه القصور فيه، وتحديد الأسباب الموجبة لتغييره ومن ثمّ تحديد الرؤية لما يجب أن يكون عليه النظام التعليمي في المستقبل وتحديد الغايات لما بعد قرن من تأسيس النظام، ليساهم في بناء حضارة قوية تتحقق في ظلها العدالة الاجتماعية وسيادة الإنسانية.

ما إن تطرح عملية التغيير حتى يتبادر إلى الأذهان عدة تساؤلات حول ما إن كانت عملية التغيير تُدار أم تقاد؟ وفي الواقع العملي يتم إدارة عملية التغيير وقيادتها على اعتبار القيادة عملية من العمليات الإدارية الخمسة (التخطيط، التنظيم، القيادة، التنسيق، والرقابة)، وتمثل هذه العمليات الخمسة منهجية علمية تعمل كنظام من حيث ترابطها مع بعضها وتتابعها وتداخلها، وتقسم العملية الإدارية في أدبيات الفكر الإداري إلى جانبين الجانب النظري ويتمثل في التخطيط والتنظيم، والجانب العملي ويتمثل في القيادة، التنسيق والرقابة ويعبر عنهما بالتخطيط والتنفيذ، و لابد من التكامل بين التخطيط والتنفيذ لضمان نجاح العملية الإدارية، ولابد من تحديد من المسؤول عن عملية التغيير، وكذلك يجب تحديد مجال قوى التغيير من أجل معرفة القوى الدافعة للتغيير والقوى المقاومة للتغيير، واختيار نوع التغيير: هل سيكون التغيير جذري أم تدريجي ؟

وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ "الدراسات والبحوث والتجارب التربوية التي تم إجراؤها على المستوى الدولي والمتعلقة بالتجديدات والإصلاحات التربوية كشَفَت عن مسلمة مؤداها أن أية تجديدات أو إصلاحات جزئية يتم إدخالها على أي نظام تربوي تبقى مجرد ترقيعات جزئية أو فقاعات تربوية سطحية، إذ لا تستطيع النفاذ إلى عمق وجوهر هذا النظام، وبالتالي فإنها تكون غير قادرة على إحداث أي تغيير يذكر في صميم العملية التربوية. هذا و يمكن أن تحقق مثل هذه الإصلاحات الجزئية بعض الأغراض الدعائية أو الإعلامية، إلا أن المردود الحقيقي لهذه التجديدات التربوية يكون مردودا هامشا أو سطحيا" (1)

وعليه فإن التغيير الجذري هو الاختيار الأمثل من أجل تأسيس نظام تعليمي يخدم المجتمع  ويساهم على المدى البعيد في بناء حضارة قوية ينشدها ذوي العقول والألباب.

قد يكون من المهم التنويه إلى مفهوم النظام من أجل الوقوف على طبيعة النظام التعليمي الذي يتم تأسيسه، وقد عرف Kast & Rosenzweig سنة(1976) لنظام بأنّه "كل متكامل منظم يتألف من مكونين أو نظامين فرعيين أو أكثر يتوقف بعضها على البعض الآخر، وله حدود معرفة ضمن إطار النظام البيئي الأكبر الذي يوجد فيه."(2) 

ويقصد بحدود النظام :" أن لكل نظام حدوده Boundaries  الخاصة به تحيط بمراميه المشتركة، ووظائفه المتنوعة، وأجزائه المعتمدة على بعضها، وحالما توجد مكونات متفاعلة ضمن إطار محدد يوجد نظام، وأي نظام له مدخلاته التي يستقيها من بيئته التي تحيط بحدوده، كما ينتج مخرجاته لتنشط في بيئته. ومخرجات النظام يمكن اعتبارها هدف من أهداف هذا النظام.

تضم حدود أي نظام مجموعة من المكونات، هي تلك الأجزاء التي تتفاعل مع بعضها بغية تحقيق أهدافه و إنجازها. وفي حالة النظام التربوي فإن من مكوناته: الطلبة، أعضاء هيئة التدريس، الإداريون، المرشدون، الموظفون، وما إلى ذلك. و إن تفاعل هذه الأجزاء المكونة للنظام التربوي يؤثر في تحقيق أهدافه." (3)

و يجب أن يكون الهدف أو الأهداف من النظام التعليمي الجديد منبثق من صميم احتياجات مجتمعه. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو: كيف يتم تأسيس نظام تعليمي جديد بوجود نظام تعليمي قائم ؟

هنا تبرز أهمية الإدارة في تأسيس نظام تعليمي جديد بوجود نظام تعليمي قائم، من خلال عملية تخطيط متقن وقوي للنظام التعليمي الجديد، فما هو التخطيط؟ وما الذي يتم التخطيط له؟ و من يقوم بالتخطيط؟

التخطيط هو عملية جمع وتحليل البيانات، تحديد الأهداف والاستراتيجيات والسياسات والقواعد والإجراءات، وتقدير الموارد التنظيمية المتاحة (المالية، المادية، البشرية، و المعلوماتية) بكفاءة وفاعلية استعداداً للمستجدات المحتملة ضمن سقف زمني محدد.ويجب أن تكون الأهداف المرحلية للنظام التعليمي قابلة للقياس، مرنة، واقعية، ومشروعة.

أما بالنسبة إلى ما يتم التخطيط له، فهو النظام الكلي والأنظمة الفرعية المكونة له،  لأناّ لممارسات العملية للإدارة تثبت ضرورة إدارة الكل وإدارة الأجزاء، وأنّ "كل نظام فرعي هو بمثابة نظام متكامل عندما يؤخذ لوحده."(4) 

المصادر

1-الخطيب أحمد والخطيب رداح (2007)، ص:29، استراتيجيات التطوير التربوي في الوطن العربي، ط1، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، إربد، الأردن .

2- الطويل، هاني عبدالرحمن صالح (2006)، ص:94، الإدارة التربوية والسلوك المنظمي: سلوك الأفراد والجماعات في النظم، دار وائل للنشر والتوزيع، عمان، الأردن.

3- الطويل، هاني عبد الرحمن صالح (2006)، ص:94-95، الإدارة التربوية والسلوك المنظمي: سلوك الأفراد والجماعات في النظم، دار وائل للنشر والتوزيع، عمان، الأردن.

4- السالم، مؤيد سعيد (2002)، ص:13، تنظيم المنظمات: دراسة في تطور الفكر التنظيمي خلال مائة عام، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، إربد، الأردن.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن عمران.