تنبيه للمسار الأخطر الآن: بعد تعليق تركيا وباكستان يبقى التحليل في هذه المحاولة وجيهاً، لكن باستتباعات مختلفة اقتضت هذا التدارك والتنبيه.
أما وقد بيّنت تركيا وباكستان رفضهما لخطة ترومب في صيغتها المختلفة عمّا عُرض على من حضر من ممثلي الأمة، فإن حماس صار في حلٍّ من ضرورة القبول بالالتيماتوم الأمريكي.
لكن لا يكفي تركيا وباكستان وبقية الوفد بقول ذلك، بل لا بدّ من ضرورة حماية أهل غزة من عربدة ناتنياهو وحمايته الأمريكية إذا لم يرجع ترومب إلى ما عرضه عليهم فجعلهم يقبلون بمقترحه.
لا بدّ إذن من الاستعداد للحرب لإيقاف العربدة بقوة السلاح والأفعال، وليس بالكلام؛ لأن تطبيق ما حصل من تغيير في مقترح ترومب الذي عرضه عليهم يعني أنه يستهزئ بهم، وعليهم جبره على احترام ما عرضه عليهم.
فإن لم يفعل، فمعنى ذلك أنه قد خدعهم إذا أصرّ على احترام ما أعلن عنه بعد الصوغ الرسمي، فيضطرّ للاعتراف بأن المخدوع هو ناتنياهو إذا طبّق ما عرضه عليهم. وحينها على حماس أن تقبل الصوغ النهائي الذي يستدرك فيه ترومب الصوغ الثاني بالعودة إلى الأول.
وتوقّعي أن ترومب سيضطرّ لمراجعة موقفه الثاني، وقد يصل إلى حلٍّ وسطٍ يرضي ممثلي الأمة ويغضب ناتنياهو الذي سيقبل حتماً؛ لأن دافعه الحقيقي الحالي ليس دليل قوة، بل هو دليل لعبة بوكار، أي ما لأجله وصفته بكونه شمشون البهلوان.
فجيش إسرائيل لم يعد قادراً على مواصلة الحرب عسكرياً، خاصة وأن سردياته كلها سقطت، ليس في العالم كله بل وخاصة في الغرب نفسه.
أمريكا ستضطرّ لما اضطرت إليه لما سقط التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، وهو ما حصل في الإجماع الدولي حول الاعتراف بحلّ الدولتين والالتزام بتحقيقه للاعتراف بدولة فلسطين.
المحاولة
رغم أن الوقت لم يحن لأدلي بدلوي في تعيير المقترح الأمريكي الذي رحّبت به الدول العربية والإسلامية دون انتظار موقف أبطال الطوفان، فإن ما يعنيني هو ما يمكن أن يكون لترحيبهم من علاقة بحرب المطاولة التي بدأت تعمّ شعوبهم.
هل الأمر يتعلق باستكمال الاستعداد ومناورة الصدام الحتمي بين الاستئناف وأعدائه، أم تخاذل كما قد يبدو؟
التأويل الأول هو الأرجح عندي، لأني وإن شككت في الأنظمة العربية فلا يوجد أدنى شكٍّ يخامرني بخصوص تركيا وباكستان، أي الشعبين اللذين حافظا على الأمة بعد توقف دور العرب منذ سقوط الخلافة الأموية.
لذلك فبحثي هذا يهدف إلى الجواب عن سؤال أعمق من المواقف الظرفية التي سبقت الطوفان والشام، وما أحدثه الانتصار المضاعف العسكري والخلقي الذي غيّر كل اللعبة تغييراً بيّناً فيما يتعلق بالنصر الخلقي والذي سيلحقه حتماً ما يتعلق بالنصر العسكري؛ لأنه علامتاه بارزتان لعين كل لبيب.
فأولاً: ما كان لأمريكا وإسرائيل اللجوء لمحاولة التصدي للنصر الأول بعد أن شرع النصر الثاني في الفعل المؤثر في قاعدتها الشعبية وفي العالم كله بدليل الاعترافات المتوالية بدولة فلسطين، وهو مختلف تماماً عمّا حصل قبلها في اتفاقية أوسلو.
وثانياً: ما كان للصهيونية نيابةً عن الغرب، والصفوية نيابةً عن الشرق، أن يصبحا من حيث لا يعلمان مضطرّين لما يعلمان أنه سينهي الخروج المزدوج منهما، ليس لدى شعوب الإقليم فحسب، بل حتى لدى الحكام الذين صاروا أكثر خوفاً من أثر الطوفان والشام من الحلف الموضوعي بين أداتي خصيّ الإقليم.
إذا تعلّق الأمر ببيان الربح والخسارة بين الرؤيتين، وليس بين الثمرتين، بمعيار العاجل والآجل الاستراتيجيتين، بمعيار نوعيّ الحروب: حرب المطاولة وحرب المناجزة.
لذلك فأول وصفٍ للوضعية التي تلت ثمرتي الطوفان وثمرتي الشام له أكبر تأثير على تعلّق المقترح الأمريكي الأخير، الذي يئس من المناجزة ولجأ إلى المطاولة هو بدوره:
فهو لم يعد قادراً بقوته المادية غرباً (إسرائيل وأمريكا) وشرقاً (إيران وروسيا) على المناجزة؛ لأن جيشهما تبيّن ضعفه وخوفه من الهزيمة، أولاً لأنهما بمكرٍ إليه خير تصادما في تسابقهما لتقاسم ما ظنّاه لقمة سائغة.
وثانياً لأن مطاولة الطوفان والربيع أثبتت أن المسلمين انتقلوا من ردّ الفعل إلى الفعل منذ حرب 73، فبادروا فيه وفي الطوفان الذي حُسم في غزة وبالربيع الذي حُسم في الشام.
وثالثاً لأن الحامي لهاتين الأداتين -إسرائيل وإيران- فقد من يحميهما القدرة على خوض عدّة حروب في آنٍ واحد. فلا أمريكا يمكنها التفرّغ لمساندة إسرائيل وهي في حربٍ جارية (أوكرانيا) وحرب قد تجري في أي لحظة (مع الجزيرة الصينية).
فيكون الوضع الدولي، والإقليمي، والمحلي في المحميات العربية، والعالمي في الموقف من الحسم مع الاستعمار الغربي الشرقي في بقية العالم كله من المبشّرات بخصوص ما توقّعته للاستئناف الذي آن أوانه.
وبذلك فإن العرب والمسلمين بعد تخلصهم من التخويفين الإسرائيلي والإيراني أصبح بوسعهم أن يحاولوا التخلص من تخويفٍ من شعوبهم، التي ستطبّق عليهم منطق الطوفان والربيع، لأن كليهما له نفس المطالب: أي تحرير الأوطان وتحرير المواطنين من الاستبداد والفساد.
والأغرب من الحالات على مكر الله الخير أن النخب الغربية والشرقية الحاكمة اكتشفت أنها هي بدورها خاضعة لمافيات هي معها في نسبة الصهيونية والصفوية مع المسلمين. حكّام الغرب والشرق الحاكمة ليست دون النخب الحاكمة في دار الإسلام تعبئةً تفقد الأوطان السيادة وتفقد المواطنين حرية الإرادة ورجاحة الحكمة.
ذلك ما يريد ترومب تداركه بهذه الخطة، وهي تعبّر ليس عن محاولة تدارك ما تحقق في الطوفان والربيع، لأن ما تحقق لا وجود لما يوقفه إلا التصدي لشروط اكتماله بنوعيها:
الأول: هو بلوغ الاستئناف إلى الندية المادية مع تفوّقه الروحي، شرطيّ الردع الإقليمي.
والثاني: هو محاولة استمالة المسلمين في المعركة بين القطبين المقبلين، شرطيّ الردع الدولي.
فلا أحد من أصحاب القوة المادية غربياً (إسرائيل وأمريكا) أو شرقياً (إيران وروسيا) بوسعهما الاستغناء عن المسلمين في معركة نظام العالم وأقاطبه، ومن ثم فجميعهم يلجأ إلى المطاولة التي اضطرّته إليها أصحاب القوة الروحية من الشعوب التي صار بيدها شروط النصر.
وذلك هو المحدد لخطة ترومب وإسرائيل وخامنئي وروسيا، الذين هم بدورهم يلجؤون للمطاولة، وكلا الصفّين يخطبون ودّ المسلمين والعالم الثالث كله من أمريكا الجنوبية إلى كل القارات في المعمورة.
العالم كله صار يناور في مسعى تغيير نظام القانون والأخلاق الدوليين وازدواج المعايير، كما بيّنت الاعترافات بالحق الفلسطيني، بالإضافة إلى الوضعية الدولية التي كلها تقريباً تعمل لصالح هذا التحوّل الجوهري في سياسة المعمورة.
والفضل في ذلك هو صمود حماس، وانتصار سوريا، واستحالة النزول إلى القاع دون ما وصلت إليه الأنظمة العربية من فقدان لماء الوجه وتبنّي ازدواج المعايير الفاحش الذي بلغت إليه حكومات الغرب في تلاعبها بالقانون الدولي الذي هو من وضعهم.
ذلك أن تنزع اليمين الإسرائيلي والغربي الرسمي لم يترك لهم أدنى ورقة توت تخفي عورة الأنظمة العربية وخذلانهم وتبعيتهم، فصار الخوف من فقدان كل شيء مثل النظام السوري بعد أن تبيّن لهم فقدان الاعتماد:
1- على الحماية الإيرانية الروسية في محميات الهلال العربية.
2- على الحماية الإسرائيلية الأمريكية في محميات الخليج العربية.
3- ومثلهما بقية المحميات العربية في ما يسمى جامعة الدول العربية.
4- ومثلهم بقية المحميات الإسلامية التي لا تقتصر تبعيتها على هذا المربع (إسرائيل وأمريكا، إيران وروسيا) بل تضاف إليهم التبعية للصين والهند.
5- كل ذلك يثبت أن الخوف من ميل شعوب العالم المستضعفة صارت تدرك أن أنظمة العالم المستقوي تعاني من نفس الداء الذي تعاني منه الأنظمة العربية والإسلامية، وأن هذا المستوى من ازدواج المعايير يشمل كل حكّام العالم ضد كل شعوب العالم.
فلا يوجد حاكم في العالم المستقوي مستقلّ عن فارضي هذا الفصام بين ميل الشعوب وميل الحكّام، الذين بلغ الأمر بهم إلى ما عليه حكّام العرب المسلمين من الحكم المستبد.
لذلك، فما حدث في فلسطين والشام يمثل ثورة عالمية في أخلاق البشرية: الفصام بين حكّام فاقدي الشرعية وشعوب فاقدي الحرية.
وتلك هي دلالة هزيمة إسرائيل عسكرياً وخلقياً، ومثلها إيران والقوى الحامية لهما. وصارت المقاومة عالمية، والدليل أن الشعوب الغربية والشرقية المستضعفة كلها بلغت الحدّ الذي جعل جلّ حكام العالم المستضعف يخشون ما قد يؤول بهم إلى مآل إسرائيل وإيران ونظاميهما في القضاء على النظام العالمي الحالي بأخلاق الصهيونية والصفوية، رمزين للخلل الخُلقي فيه، ومن ثم فهما رمز الانتحار الحالي للنظام العالمي القائم.
ومن المفارقات أن الشعوب الغربية صارت لا تصدّق سرديات إسرائيل وحماتها ومحمياتها، وكل الشعوب الشرقية صارت لا تصدّق أقوال إيران وحماتها ومحمياتها بعد أن تبين أنهم بحروب المناجزة التي يشجعونها في ثوار العالم المستضعف لملء فراغات المطاولة التي يحتاجون إليها، بحيث صاروا جميعاً من نفس الطبيعة.
لأن إيران وروسيا وإسرائيل وأمريكا يحركون في كل شعب مستضعف حرباً أهلية ويدّعون التدخل للمصالحة بينهم، مع تسليح كل المشاركين في الحرب الأهلية بمزيدٍ من تفتيت الجغرافيا السياسية وتشتيت التاريخ الحضاري فيها للإبقاء على التبعية.
ونحن أحوج للمطاولة مع المغربين والمشرقين حتى تستعيد الحضارة التي هي لا شرقية ولا غربية، والتي مشروع رسالتها توحيد البشرية بمنطق الفتح الذي يحرّر ولا يستعبد، كما هو بين شعار الفتح الذي لم تعش الإنسانية التعدد الديني والفكري حقبةً مثيلة لما حصل فيها، حيث لم يكن عدد المسلمين في إمبراطورية الإسلام الأكبر (الأموية) يتجاوز خمسة في المائة من مواطنيها.
وتلك هي تربية الإسلام وحكمه في كل تاريخه، بحيث إن الإنسانية مدينة لنا بالمحافظة على تراث كل الحضارات التي ورثناها وخصّبناها، لأننا لم نصدق خرافة المعجزة اليونانية وخرافة المعجزة الأوروبية، بل ننسب كل التراث إلى التوارث التخاصب بين الحضارات المتساوقة والمتوالية، كما هو بيّن من مقدمة ابن خلدون.
لو كان الغرب الأقصى (أمريكا) والأدنى (أوروبا) لهما القدرة على الاحتلال والاستكبار اللذين عرفناهما منهما في القرون الأربعة الأخيرة من تاريخ المغولية والتوحش لما فاوضا أصلاً، بل لفعلا ما فعلاه منذ انحطاط الخلافة الإسلامية الأخيرة وبعد استرداد ما من جغرافية الإسلام من الفلبين إلى الأندلس.
اليوم فقد الغرب والشرق هذه القدرة، لكنه ما زال يستفيد من الحروب الأهلية بين المسلمين خاصة والمستضعفين عامة (وخاصة فقراء إفريقيا وآسيا وجنوب أمريكا). فيكون جوهر المشكل أن ما بقي من قوّته لا يتجاوز تفتيت جغرافيتنا وتشتيت عملائه لتاريخنا، لتعويض وحدتهما شروط ثروتنا سرّ القوة المادية، وشروط تراثنا سرّ القوة الروحية.
وعودة هذه العناصر الأربعة التي تعرّف أي حضارة حيّة هو الاستئناف والنشأة الثانية التي بات يخشاها الغربان والشرقان المحيطان بدار الإسلام.
فضل الطوفان والربيع هو إحياء هذه العوامل الخمسة، وبذلك فكل ما دبّره أعداء الأمة وعملاؤها صار في مهبّ الريح العاتية التي يرمز إليها الطوفان والشام.
ولا أنكر أن لإسرائيل والغرب ولإيران والشرق فضلاً كبيراً على الأمة، لأن توحشهم أحيا الميل لجبر الكسر واستعادة البأس الذي يحمي معاني الإنسانية في شباب الأمة، الذي بدأ يصبح طالباً لحرية الإرادة ورجاحة الحكمة، شرطيّ الوعي بالهوية الواحدة للأمة كلها، خاصة والأعداء يعاملونها بمقتضى التسليم بأنها حاصلة بالقوة وقد تصبح بالفعل.