المال قوام الأعمال، لا يمكن إنجاز أي مرفق خاص أو عام دون الحاجة إلى بضاعة أولية وجهد عمل، وعلية لا تعمير دون سيولة متوفرة تمكن من بناء المرافق وفقا للحاجة ضرورية كانت أو كمالية، والمرافق تشمل المجال الخاص، والمجال العام، بحيث يعد المجالان بالنسبة للفرد انتقالا من البيت الأسري الصغير إلى البيت الاجتماعي الكبير. وعليه فإن مسؤولية الفرد في بناء وتهيئة بيته الأسري الصغير لا تختلف كثيرا عن مسؤوليته في بيته الحضري الكبير، مع اختلاف طفيف في عدم المباشَرة في الثاني، ذلك أن بناء المرفق العمومي وتهيئته تكون بناء على اتفاق مصغر أولا بين أهل المنطقة الحضرية المعيّنة يكون فيه الفرد مستشارا في إنجازه أولا وكيفية إنجازه ثانيا، فضلا عن كونه مساهما بالقسط المالي المحدد تقاسما مع أهل المنطقة الحضرية تلك، وأخيرا مراقبا ومتابعا لخطوات المشروع قبل بدء الإنجاز إلى ما بعده من كيفية استغلاله وصيانته وتطويره.
والواقع الراهن لا يعدم ذلك، أعني إسهام الفرد في تهيئة المحيط الحضري الذي يعيش فيه، إلا أن إنجازات كتلك لا تخرج عن إطار "المبادرة" المشكورة كجهد إضافي وثانوي يتفضل به المواطن على نفسه وعلى محيطه الجواري، وتفضلا حتى على "الهيئات العمومية" التي أسند إلى القيام بذلك، لذلك يبقى هذا العمل الموازي من جهة عبئا على المواطن المبادر، ومن جهة أخرى مصدر حرج المسؤول العمومي الذي قد يتدخل لعرقلة المبادرات الحرة في التهيئة العمرانية إذا ما امتدت أو تواصلت وتعاظمت فأحرجته، وقد يحصل أن يتم اللجوء إلى إصدار المراسيم للحد من المبادرات الخاصة من هذا النوع. علما أن مبادرات من هذا النوع ستكون من الناحية التمويلية خاصة عبئا على المواطن الذي يدفع الضرائب أساسا من أجل أن تعود بالنفع العام عليه، لكن الضرورة وغياب المشاريع والتماطل في إنجازها إن وجدت، أو الانقطاع قبل إتمامها، هو الذي يدفع بالمواطن إلى التخلّص من الانتظارية إلى المبادرة، لكنها وحتى هي مبادرة تعبّر عن نوايا خيرة، ستكون دائما مصدر قلق من فقدان الاستفادة من بذخ الأموال العمومية، وذهابها إلى جهات أخرى.. إلخ
في منظومة كتلك ستكون الاتكالية والانتظارية هي المفهوم الرئيس المسيطر على التنمية المحلية في كل البلاد، خاصة تلك التي لم يحقق فيها المواطن درجة من التمكين تجعل حاجته ملباة حتى قبل إسماع صوته، فالمعضلة اليوم أن المواطن الذي يدفع الضرائب والذي يعتقد أيضا بحقه في التمتع بعائدات المواد الخام، يعيش حالة من القلق والتوتر الدائم في أن يسمع صوته للمسؤول العام، وهو المسؤول الذي لا قدرة له على الإشراف على عشرات ومئات المشاريع التنموية، فضلا عن عدم علمه حتى بالحاجات المطلوبة في كل الحيز الجغرافي المسؤول عليه، نظرا لعدم وجود آليات تنموية سلسة، تجعل الحاجة العامة محل تلبية طبيعية وضرورية.
كل ذلك يقتضي فكرة مؤسسة وهي التخلص من فكرة المسؤولية العامة في مجال التهيئة العمرانية بالخصوص، إلى فكرة المسؤولية الخاصة، التي تعني الإشراف المباشر للفرد على المنطقة الحضرية التي يقطنها، بما هي حي كأدنى نطاق مكاني أو مقاطعة في أوسع نطاق، أعني أن يتولى مبادرة تهيئة مجاله العام بشكل لا يختلف كثيرا عن بناء منزله الخاص وتهيئته، وذلك من خلال مبدأ التشاور والاتفاق مع بقية القاطنين على الأولويات القصوى وكيفيات تمويلها وإنجازها، والسؤال الملح هنا، هل فكرة المسؤولية الخاصة ستقضي نهائيا على فكرة المسؤولية العامة؟ أم هو تحديد لها بالزمان والمكان؟ أم أن الأمر فقط متعلق بتقريب المسؤولية العامة من المواطن؟
طبعا الأمر لا يتعلق بإلغاء المسؤولية العامة على مشاريع التنمية العامة، إنما يتعلق باعتماد مبدأين هما:
- الانتخاب المحلي للهيئة المسؤولة بشكل عفوي ومؤقت، يشمل الإشراف التقني والفني والمالي داخل المنطقة الحضرية المعنية بالمرفق، وتكون مسؤولية محدود بالزمان والمكان.
- تقريب المسؤولية من المواطن ليكون مشاركا بالرأي والمال في إنجاز المشروع
لذلك فالأمر لا يتعلق بإلغاء المسؤولية العامة بقدر ما يتعلق بتقييدها بالزمان والمكان وتقريبها من المواطن، وهو ما يجعل من أي إنجاز عمراني إنجازا أهليا خالصا نابعا من صلب الحاجة الاجتماعية. وعليه، تبقى المسؤولية العامة بمعناها التقليدي الواسع يؤدي دور القاضي الذي يبت في الخلافات عند نشوبها والتي تؤدي غالبا إلى توقف الإنجاز، فيكون دوره الدفع بسير وتيرة التنمية بدلا من عرقلتها، حيث لا دخل لأي فرد غير معني بالاستفادة من المرفق العام-الخاص إلا بالاستفادة من استغلاله كمرفق عام بعد نهايته.
يبقى بعد ذلك السؤال عن العسف الذي يحصل ضرورة عند الإقرار بالمسؤولية العامة، ولو في حدودها الدنيا، أعني أن القرار العام لابد وبالضرورة سيناقض الإرادات والرغبات الفردية الخاصة التي غالبا هي ذوقية في الحالة المثالية، بحيث يفرض على الفرد التخلص من بعض فرديته لصالح المصلحة العامة؟ والجواب هو أن التاريخ الاجتماعي والسياسي للبشر لا يؤكد حصول توافق تمامي بين المصلحتين الفردية والخاصة، لكن الممكن في الأمر هو مسألة الانتخاب أو التشاور الذي يخلص إلى اتفاق، على أساسه يمكن تحقيق أفضل شكل ممكن للمشروع التنموي المراد إنجازه.
وعلى هذا الأساس يمكن بناء نموذج للتمكين العام، بما هو اعتبار الحاجة الاجتماعية، بأن تكون لها السلطة المطلقة في الرغبة وعدم الرغبة في الاقدام وعدم الاقدام في التنفيذ وكيفياته واستغلال المنجز.. إلخ والواضح أن مسألة التقنين يكون لها دور محوري فيما تقدم من بسط لأسباب التمكين والدفع بعجلة التنمية المحلية إلى أقصى فاعليتها، ذلك أن التخلص من مركزية التمويل يقتضي التخلص من المسؤولية العامة بمفهومها المهيمن إلى مفهومها الخدمي التيسيري، وعلى الأساس ذاته، تكون المسؤولية العامة بمعناها الاعتباري الذي يجرد الإرادة العامة، أعني مفهوم الدولة، ليكون المسؤول، مسؤولا عن تفكيك القيود عن المواطن الفرد، وأولها إخلاء المجال العام من التقنين المتعلق بالتهيئة الحضرية، بداية من ملكية الأراضي والعقارات التي تتملك بناء على الاستصلاح، وصولا إلى المشاريع التنموية الكبرى التي تستحق بناء على الحاجة الاجتماعية أولا والجودة ثانيا، فلا تكون المشروعات التنموية قائمة على رغبات المستثمرين وأرباب رؤوس الأموال بقدر ما تكون بناء على تلبية الحاجة الاجتماعية التي تنتظر أن يبت فيها البرلمان أو المجلس الحكومي للدولة، إنما البرلمان والمجلس الحكومي للحي والمقاطعة. والله أعلم وأحكم.