ما الذرائع التي كان يجب سدّها لتفادي ضمّ الجولان والقدس؟ وما الذرائع التي قصّرت السلطة في سدّها لتفادي الاستيطان وبسط سيطرة الأمر الواقع على أكثر من 70% من الضفة الغربية؟
حقيقةً لم أجد جوابًا لهذه الأسئلة، كما ينتابني شعور بالسخرية تجاه عقدة «سدّ الذرائع»... بكل أسف لم تخرج سياسة السلطة، منذ أن فُرض عليها مسار دايتون في 2005، عن سياسة تسهيل مأمورية العدو ومنحه ضمًّا هادئًا واستيطانًا آمنًا وتوسعًا بأقل كلفة ممكنة. وكلها كان مبررها «سدّ الذرائع»، وعلى اعتبار أننا بحاجة للتمسك بالمكتسبات وعدم منح العدو أي فرصة لتجريدنا إياها. ومع الوقت تقلصت هذه المكتسبات حتى وصلنا إلى حالة الجنون التي تحكم قرار الكيان، مدعومة بمجموعة من العواجيز المخمورين: هاكابي وترامب والإنجيلي المعتوه روبيو!
سأفترض أن خيار المواجهة المفتوحة متهور وعدمي، ونتيجته ليست في صالح الضعيف مقابل القوي المتجبر. لكن سؤالنا المهم: ما هي الخطة الآن؟ وسأتسامح مع سؤال: ماذا كانت الخطة من الأساس للسماح لكل هذا أن يحصل؟ وسؤال: ما الذي كانت تعدّه وتقوم به السلطة طيلة هذه السنوات؟
الحل بنظري واضح، ولكن لن يعجب المدافعين عن السلطة؛ لأننا انشغلنا عن التركيز في معركتنا الأساسية إلى معارك هامشية جدًا بين من يمتلك شرعية ومن يمتلك الوصاية، وأي التجارب أنضج وأكثر صوابية!
في حين أن عدونا يتسلح ولم يعد يرى أنه بحاجة للأدوات الناعمة، ربما لأنه يشعر بضغط وتحدي الوقت، ويتعجل قطف النتائج. وهذه بنظري هي فرصتنا، ليس فقط في الصمود والبقاء، بل في الالتحام وزيادة كلفة أفكاره ومشروعه وتعقيد المهمة عليه، لا تسهيلها عبر المزيد من الانكماش أو الهرب من المواجهة. ليس لأن النتائج مضمونة — وإن كنت أراها كذلك — ولكن لأن المواجهة حتمية ومفروضة على الجميع بذريعة أو بحجج واهية... بـ 7 أكتوبر أو بـ 15 نوفمبر!
العدو يعاقبنا في الضفة ردًّا على موجة الاعترافات بفلسطين دوليًا، وعلى تعاظم حالة الرفض الشعبي للاحتلال وسلوكه في غزة والضفة، وخلق وقائع جديدة تجرّد هذه الاعترافات من أي قيمة أو رصيد على أرض الواقع. وهذا متوقع جدًا.
لكن ما لم تتشكل حالة نضال شعبية واسعة للتصدي لكل هذا، فإن جدوى الاعترافات لن تتجاوز امتصاص حالة الغضب الجماهيري الدولية من قبل حكوماتها. فلن تتحرك دبابة واحدة، أو حتى قطعة سلاح، لا لحماية الفلسطيني من الإبادة التي يتعرض لها، ولا لحمايتنا من سعار التهجير القسري الذي يحاول العدو فرضه! إنما بقاء الفلسطيني وثباته في أرضه، وتحمل هذا كله، إلى حين الوصول إلى إحباط هذا المشروع المختل. ولسنا بعيدين عن هذه المرحلة، طالما تشبثنا بالأرض وتحملنا لأجل ذلك جنون العدو وتطرفه وإجرامه.
تحدث المؤرخ اليهودي إيلان بابيه عن أن المشروع الصهيوني كلما اقترب من نهايته كلما زادت جرائمه وفرط استخدامه للقوة! وهذا لا ينبع من حالة الثقة والاستقرار، بل من حالة القلق الوجودي التي لازمت دولة اليهود أينما أُنشئت حتى يومنا هذا.
سندرك جميعًا قريبًا جدًا ما قاله قادة النضال والمنظرون للمقاومة: أن العدو ليس بهذا القدر من القوة، وأننا لسنا بهذا القدر من الضعف.