كثر في الآونة الأخيرة الاستشهاد ببعض الأحداث السياسية في التاريخ الإسلامي للتدليل بها على جواز بعض التصرفات! وقد كنت ذكرت في كتابي الأمة والسلطة: باتجاه الوعي والتغيير والصادر عام 1996، مجموعة من الحقائق، التالية واحدة منها:
الحقيقة الثامنة:
علينا أن نفرق بين نظام الدولة في الإسلام كما حدَّده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين الذي جرى في تاريخنا! فينبغي ألا نحمل الإسلام تَبِعة ما جرى، كما ينبغي ألا تدفعنا رغبتنا في تخليص الإسلام من اللوم إلى الدفاع عن تاريخٍ سياسي منكر. إننا نؤكد على أن التاريخ ليس مصدرًا للتشريع، لأننا نرفض أن تُوظَّف المخالفات الدستورية، والتجاوزات السياسية التي حصلت في التاريخ، لتسويغ الانحراف، وتحويله إلى تنظير فقهي قانوني، بحيث يتحول الانحراف إلى تشريع!
إن المرجعية التي نخضع لها ونتبعها في هذا الباب، هي نفسها المرجعية التي نخضع لها في أبواب الدين جميعها، لذلك فمن الخطأ أن يحتج أحد بصحة تولي الحكم عن طريق الوراثة لأنه وقع في التاريخ، ولأن العلماء سكتوا عنه! فلا في وقوعه في التاريخ، ولا في سكوت العلماء عنه دليل على شرعيته.
قد يفاجأ بعض القراء من بعض الحقائق، وقد يعدها تعديًا على بعض المسلمات التاريخية. ولكن الحقيقة غير هذا، لأننا نعتقد بأننا امتداد لما حصل في التاريخ وأثر من آثاره، وأننا إذا أردنا إصلاح واقعنا فلا بدّ أن ندرك الحقائق كما هي دون تزوير وتزويق، وطريق العلاج الناجح تشخيص صحيح. إننا نؤمن بأنه لا خلاص ولا نهضة لنا إلا بالإسلام، لذا فالهدف المراد من مثل هذه الأبحاث هو تخليص الإسلام مما علق به من ممارسات خطيرة، وانحرافات شنيعة! وبهذه الحقيقة نفصل بين فقه الإسلام السياسي الذي شرعه الله، وبين ما أُلبس للإسلام من ممارسات في التاريخ السياسي للأمة.
إن ما نكتبه ليس ترفًا، بل هو نتيجة الإحساس بالواقع، والتفاعل معه، وهو تصويب لمفهومات باتت تنتشر بين طلاب العلم فضلًا عن العوام. فكيف لنا أن نسكت عن بيان الحقائق، وقد قرأنا لبعض من ينتسب إلى العلم في إحدى عواصم هذا العالم الإسلامي، يُفضل بعض الأنظمة الحالية على الدولة العباسية! يقول ذلك ليسلم الناس للواقع! وأقول: فليكن؛ فليكن حال بعض الأنظمة أفضل من حال الدولة العباسية! فماذا إذن؟ وما علاقة ذلك بالإسلام الذي يطالب به المسلمون؟ وإذا كانت الدولتان؛ العباسية والأموية ظالمتين، فهل يعني هذا أن الظلم مقبول؟! وهل يعني هذا ألا يسعى المسلمون لإعادة دولة الإسلام كما رسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار عليه الراشدون من بعده؟ ثم لماذا تكون المقارنة على هذا النحو؟ لم لا تكون: إن الانحراف مرفوض أيا كان مصدره وزمانه؟
إننا لا نتعصب إلا للإسلام كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أما التاريخ الإسلامي فهو سلوك البشر باتجاه الإسلام أو بعكس اتجاهه. لهذا فإننا نرفض أي محاولة لتزويره عن طريق التاريخ، لأن التاريخ غير معصوم ولا مقدس.
إننا نطالب بالإسلام، فإن وافق التاريخ الإسلام فبها ونعمت، لأنه سيُشكل عندها تجربة ثرية، ومرجعًا تطبيقيًا. وإن خالفه رفضناه، ولم نبرره، وأقبلنا على الإسلام نأخذ منه دون أدنى اعتبار للتاريخ.