التجويع بين محاولة الكسر وعنفوان الكرامة
ما نشاهده اليوم في غزة من حصار خانق، وتجويع مفجع، وتخاذل مخزٍ ليس قبله مثيل، ليس لأنه لم يحدث من قبل في التاريخ، ولكن لأن ما نراه يُنقل في بث حي ومباشر ساعة بساعة ولحظة بلحظة؛ نشاهد أوجاع إخوتنا، ونسمع آهات أمهاتنا، ونرى قهر آبائنا، وتنكسر قلوبنا لأنين أطفالنا وصرخاتهم في غزة.
ليأتي السؤال: أعلى قلوبنا أكنةٌ أم في آذاننا وقرٌ حتى لا نحرك ساكناً أمام "وإسلاماه"؟ شحبت الوجوه، وغارت العيون، والتصقت الجلود بالعظم حتى تكاد تسمع صرخاتها: بأي ذنب قُتلت؟ بأي ذنب قُتلت؟
ألأنهم كأصحاب الأخدود؟ أم لأنهم كأهل المدينة في غزوة الخندق في ثباتهم وعزمهم وإيمانهم؟ من يجيب؟ من يخبرني لماذا؟ أم على قلوبنا أقفالها؟
التجويع والحصار
حين صرّح "روتين شالوف" ذلك الحاخام المليء بالكراهية والفجور بقوله: "يجب أن يجوع كل طفل في غزة حتى الموت"*، مدّعياً أنهم إن لم يموتوا جوعاً سيأتي يوم ليجوعونا حتى الموت، توقعتُ ردة فعل من الأمة لا تقل قوة وحدة عما تفوه به هذا المعتوه، لكن لم يحرك أحدهم ساكناً، والجميع في غيهم يعمهون.
في حين وصل عدد الشهداء نتيجة التجويع المتعمد إلى 197، بينهم 96 طفلاً، لم تُصرّح أي حكومة عربية ببشاعة ما يحدث، ولم ينذروا الكيان ولو إنذاراً بسيطاً عن قبح ما يقوم به.
وفي المقابل، تجد أمريكا تستخدم كل وسائلها من إعلام وأموال وسلاح لدعم غير مسبوق للكيان المحتل، في مفارقة عجيبة تعبّر عن حال الهوان والعار التي وصلت إليها الأمة.
إن ما يحدث في غزة تجويع منافٍ لكل القوانين؛ وعلى الرغم من أن اتفاقية جنيف الرابعة، المادة 55، تنص بعكس ما يحدث تماماً، فإن الاحتلال يستخدم التجويع كسلاح حرب في محاولة منه لكسر عنفوان المقاومة وتركيعها؛ لكن هيهات.
فخ المساعدات
من منا لم تمر عليه تلك الوجوه المترقبة الشاحبة المتعبة، التي تمضي في طريق طويل كأنه نفق لا يدركون نهايته، للحصول على المساعدات وهم يعلمون أنهم قد يعودون محمولين على الأكتاف. يذهبون وأصوات أطفالهم تتردد في آذانهم "بابا جوعان"، "ماما أريد أن آكل".
كيف تقنع طفلاً لم يتجاوز عمره العامين أن أمة المليار تتقلب في النعيم وهي تتمتم قائلة: إنما أوتيته على علم؟ بل كيف تقنع طفلة نُصب لها فخ في كيس "إندومي" لتفقد يدها؟ من يخبر ريما أن والدها فضّل احتضانها على احتضان كيس الدقيق، وأنه صارع نفسه بمرارة ليختار بين ريما وكيلو طحين؟
فخ المساعدات الذي تُشرف عليه قوات أمريكية، وتتبناه مؤسسة "غزة الإنسانية"، مدعومة من الاحتلال والولايات المتحدة، يثير في النفس ألف تساؤل عن حقيقة ما يجري.
ثم ما يحزنني أكثر هو تلك الشهادات المقدمة من جنود أمريكيين متقاعدين، وكأنها شهادات إنسانية، فأنا أتساءل بحنق: ما سبب تواجد جندي أمريكي هناك؟ ولماذا لم نسمع عن جندي عربي واحد يشارك في تسليم المساعدات، ليقدم شهادته عن الوضع؟
هذه الشهادات ليست إلا تخديراً موضعياً لنا نحن العرب. وفي "أولمبياد غزة" الذي وصفه أنتوني غيلار، تحدث المآسي على مرأى العالم: يأتي أهل غزة للحصول على المساعدات، ثم يُطردون باستخدام رذاذ الفلفل والغاز المسيل للدموع، ولا يتوانى جيش الاحتلال عن قتل المزيد، رغم أن شهادة أنتوني زعمت أن الاحتلال أطلق رصاصات تحذيرية لترتيب الناس في جهة محددة!
وهنا أستحضر مقولة مالك بن نبي: "لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل، فإن لمنظرها القبيح في النفس خيالاً أقبح؛ والمجتمع الذي ينطوي على صورة قبيحة، لا بد أن يظهر أثر هذه الصورة في أفكاره وأعماله ومساعيه."
المغالطات الإعلامية
يتبادر للذهن سؤال: لماذا لا يمكن للبعض حتى الآن أن يعي فداحة ما يجري في غزة، وأن ما يحدث هو جريمة حرب بل جرائم حرب بكل المقاييس؟
الإجابة ببساطة: لأن الحرب ليست على الأرض فحسب، بل هي على الشاشات وفي وسائل التواصل. ففي الوقت الذي يُسمح فيه لجيش الاحتلال بنشر مقاطعه على منصات التواصل، يُحجب المحتوى الفلسطيني، وتُهدد القنوات بالإغلاق. وفي الإعلام، تُستخدم الكلمات المنمقة: فبدلاً من كلمة "حرب" تُستخدم كلمة "صراع"، وبدلاً من "تجويع" تُقال "سوء تغذية".
وفي الوقت الذي يمنع فيه الاحتلال وحليفه الأمريكي دخول المساعدات أو إسقاطها على المدنيين بشكل لائق، تُصوّر مؤسسة "غزة" كملاك حارس في القنوات الإخبارية، لاستمالة الرأي العام، كما حدث في العراق وأفغانستان، وكما صُوّر اليابانيون بصورة بشعة لتبرير قصفهم بالقنبلة النووية.
وإذا رغبت أن تعرف نوع المغالطات الإعلامية، فانظر إلى تحولات بيرس مورغان، ثم إلى الصراع الإعلامي في القنوات العبرية. المغالطات كثيرة ومتداخلة، لكن على المشاهد الحاذق أن يقرأ بين السطور، ويعود إلى التاريخ ليفهم الحاضر.
إلى أين؟
لا تزال أرواحنا مكدسة في محيط الطلاسم والخيال، ذلك المحيط الذي يحتفظ بها منذ سقوط الحضارة الإسلامية. ولا سبيل لإخراجها منه إلا بتفعيل البعد الجمعي في الأمة وتفادي نفسية العبيد، التي طُبعت على قلوب كثير من المسلمين، وكانت سبباً في التخاذل المخزي الذي نراه.
نفسية تزدري التغيير، بل تقاومه بحجة أنه نعمة من الله يجب الحفاظ عليها حتى لا ينزل سخط الله وغضبه! لكن تاريخ حضارتنا يعلّمنا أن نصرة المظلوم واجب تمليه عقيدتنا: فما كان سبب فتح مكة إلا انتهاك قريش للهدنة، وهل فُتحت عمورية إلا استجابة لصيحة وامعتصماه؟
لكن ليس فينا رجل رشيد أو قائد شديد يرفض الذلة. مات الرجال وبقيت التنديدات. ولا تزال الأندلس في الذاكرة، ولن ننسى أن محاكم التفتيش لم ترحم أحداً، مقاوماً كان أو خائناً. ولن ننسى أن فيتنام أذاقت أمريكا الويلات حتى نالت استقلالها.
التجويع سلاح الضعيف المهزوم الذي لم يبق له إلا العقاب الجماعي، وقد حدث هذا في شعب أبي طالب مع الرسول ﷺ وصحابته. وعلى الرغم من قبح الحدث، إلا أن فجراً قادماً لا محالة، فجر تشرق فيه أرواحنا لتزهر في طريق أمتنا، وتعانق الكرامة حدود السماء، وتعود معه أمجاد الأمة.
لم تُروَ الدماء الطاهرة أرضاً لتموت، بل لتنبُت منها أوراق الزيتون، وأشجار الليمون، وعقود الياسمين.
{وما ذلك على الله بعزيز} يا أهل غزة، {وما النصر إلا من عند الله} يا أهل غزة، {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين} يا أهل غزة، {ألا إن نصر الله قريب}.