هداه ربُّه إلى طريق القوم في سبيل الله، وأصبح مقدّماً في سريّته، وقد كان مؤمناً بسبيله، لكن تراوده بعض الظنون التي ترِدُ على المؤمنين الورِعين في سلامة المنهج، حتى كشف الله عنه الحجاب، وأراه اللطف في أصعب المقادير، ويزعم أصحابه أنه من الأولياء المصطفين.
كان معجوناً بطينة الفقر، وليس له إلا قطعة أرض نالها بدلاً عن رواتبه التي تعذّر سدادها، وبنى عليها بيتاً صغيراً يؤويه وزوجَه، ولم يرزقه الله دهراً طويلاً بولد يحمل اسمه، وكان يظنّ أنّ الموت لا يلبث أن يبْلُغَه وهو في هذه المكانة من التقدّم في الصفوف الملتحِمة.
لمّا قامت قيامة الطوفان انخرط فيه بكلّيته، واحتسب كل شيء لله، فأراه الله من لُطفه العجيب، فقد وُلِد له الطفل الذي طال انتظارُه في قلب المعركة، وحفظه له الله رغم كثرة الجراح التي أصابت الوليدَ في موجات النزوح مع والدته المكلومة.
أوَى مرّةً إلى بيته الصغير الذي كان يخشى أن يتهدّم فيخسر كل شيء، فإذا بصاروخ موجه يقتحم عليه سقف بيته، وينغرز في جوف الأرض، بينه وبين زوجه القريبة منه، وحفر بينهما حفرة صغيرة، ولكنه لا ينفجر، وأصيب هو وزوجه وولده من أثر هدام السقف، فطفق يضحك من لطف أقدار الله، وعلِم أنّ الله لو أراد له أن يموت لكان من الموتى الآن، فليس للمرء أن يحدد الآجال، وبقي له أساس منزله، ولم تنهدم أركانُه فاستبشر بلطف الله في بقاء مسكنه.
لم يفرّ آنذاك من منزله رغم الرعب الذي أصاب الجميع، إذ علِم أن هذا الصاروخ الذي نزل لا بدّ أن يتبعه آخر، فلو خرج من المكان أحدٌ فإن المسيرات الاستطلاعية سترصده، ولو تتابعت عليه الصواريخ فإنه أجلُ الله الذي لا محيدَ عنه.
بقي لساعات رابضاً في مكانه، ثم خرج مع زوجه وولده، فألهمه الله أن يبقى حيث ألقى به الطريق بين شجيرات تحاول العيش، فلا يذهب إلى منزل أهله القريب، ولا إلى منزل أهل زوجته الأقرب، ولا يعرف سبب قراره هذا، ولم يمض زمنٌ طويل حتى قصف الأوغاد المنزلين، فعلِم أنّ الله يذّخره لأمر يريده.
جالَدَ هذا الرجلُ جِلاداً عجيباً، وأرى أولئك الأوغادَ من بأسه ما يشفي الصدور، وكان يقول لرفاقه: إن لطف الله قريب، وإن رحمته قريب، وما هذا البلاء العظيم الشديد إلا بلاء المحبّة الذي أصاب الأنبياء والأمثَلين، ولا يكون هذا البلاء إلا في قومٍ يصنعهم الله ليكونوا يدَه الباطشة، وأولياءَه المصنوعين على عينه سبحانه، وأنّ الله يهيّئهم لأمر جليل يفتتحون به قدَراً جليلاً ووعداً مفعولاً.
لم يُرَ هذا الرجل الربّاني في موضعٍ إلا كان راسخَ اليقينِ مقبلاً غير مدبر، كأنه لا يعرف معنى الخوف، يقول: رزقني الله الولد حين يئستُ، ونجّاني من الموت المحقق حين شككتُ، وعلّمني أنّ كل شيء بأمره وحده، وأظهر لي كرامات استَحَقّها عملي في سبيل الله، وليس شخصي، ولو لم أكن على هذه الطريق لسلكتُها الآن حقّاً حقّاً.
يد الله ممدودة لخلقه، مبسوطة كل البسط، وتكون فوق يدك التي تقاتل بها في سبيله، فاضرب بيد الله التي جعلها إليك، وابطِش بعدوّه، ولا تنزع يده حتى تأخذ حقّه ممن ظلم عباده وطغى. وما زال أولياء الله في حفظه وعينه، يرجون ما عنده، ويتجهّزون لفرقان جديد حيث يكتب الله.