لا أريد الإكثار من التنظير والتكهن حول تداعيات وآثار الغزو الروسي لأوكرانيا؛ دولة الجوار والتوأم التاريخي، بمجالها الترابي، وتنوعها الإثني، وغناها بالموارد الطبيعية، وخصوصية قوانينها وقِيمها الوطنية، وتقدم إنتاجها التكنولوجي والصناعي والعلمي والثقافي، واختلاف بُنيها وتحالفاتها السياسية الخارجية عن روسيا في وقتنا الراهن، وانعكاسات الحدث المدوي على العلاقات بين الدول في شرق العالم وغربه.

غير أن مواكبة هذا التطور العسكري عبر رصد وقائع التاريخ وظواهر التبدل الحضاري في إطار الفلسفة الخلدونية للتاريخ، وطروحات المؤرخ الألماني شبنجلر عن تعاقب الدورة الحضارية للأمم والإمبراطوريات (طفولة، فتوة، شيخوخة)، هو من أبرز أدوات المؤرخ في قراءة وتدوين هذا الحدث.  

العقيدة الأوراسية (مخ بوتين) 

ظلت الجغرافيا الكلمة السرية الدائمة في الاستراتيجية الروسية (الجيوبوليتيك الدفاعي) قديماً وحديثاً؛ ولهذا فقد آمن الزعماء الروس في كل مراحل تاريخهم بالتفكير الإمبريالي لتحييد التهديدات داخل الفضاء الأوراسي (أوراسيا في الخرائط الروسية تشمل القارة الأوروبية والآسيوية بما فيها أجزاء من إفريقيا والشرق الأوسط بمساحة تتجاوز 54 مليون كم2)، ونظروا إلى القِيم الغربية الليبرالية والاقتصاد المفتوح على أنه مقدمات لخطرٍ يهدد كيانهم، وسعوا دائماً لبناء نظام اجتماعي وسياسي ذاتي يمنح الدولة قدرة الدفاع عن مصالحها وكبح الاعتداءات الخارجية. وشارك في ذلك التخطيط مفكرون روس أسسوا ما أسموه "المدرسة الجيوبوليتيكية"، ويعتبر الرائد الأكبر لها هو صديق بوتين المقرب المفكر الروسي ألكسندر دوغين، والذي صدر له كتاب عام 1998 تحت عنوان "أسس الجيوبوليتيكا (مستقبل روسيا الجيوبولتيكي)"، وشهد رواجاً وتُرجم لعدة لغات عالمية بما فيها العربية، وعمل دوغين مستشاراً في مجلس الدوما الروسي حتى عام 2003، وشغل منصب رئيس مجلس خبراء الجيوبوليتيكا للأمن القومي الروسي بعد ذلك. 

انصب اهتمام بوتين منذ توليه الحكم في الكرملين عام 2000م، على النطاق الأوراسي حسب الجغرافي البريطاني هالفورد ماكيندر، فالمشروع القيصري، حسب ماكيندر، يربط موسكو عبر دوائر متداخلة بالدول الآسيوية والأوروبية والإفريقية، وتكون أولى حلقاتها دول الاتحاد السوفياتي السابق؛ بوصفها منطقة نفوذ خالصة لروسيا أمام التمدد الغربي، من خلال عقد شراكات وثيقة، وفرض نفوذ اقتصادي وسياسي وأمني على الدول التي تشاركها الحدود، أو التدخل عسكرياً عند اللزوم، كما حدث في جورجيا والقرم وأوكرانيا، أو أبعد من ذلك كما في سورية وليبيا وأفريقيا الوسطى…

 

رأى أنصار المشروع الأوراسي بأن الحضارة الغربية متعثرة ولا تمثل مشتركات بشرية حضارية، وكل محاولاتها للتحديث والنهضة تسير وفق مصالح غربية تُقَوّض إرادة الدول المتوسطة والصغيرة، وتستغل حاجاتها وتستنزف مواردها. 

 

وهذا المشروع حامله عقيدة الرجل القيصر الذي يسعى برؤيته الإمبراطورية وعقيدته الأمنية حسب ما تقول المسؤولة السابقة في المخابرات الوطنية الأميركية والباحثة في معهد بروكينغز "أنجيلا ستنت" في تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية بتاريخ 24 فبراير 2022: "بوتين رأى الوقت مواتٍ للتحرك، وبرأيه، إن الولايات المتحدة منقسمة في سياستها الخارجية ولدى الأوروبيين تحديات داخلية"، فيما تمتلك روسيا سطوة معتبرة في دول الاتحاد السوفيتي السابقة وداخل القارة الأوروبية، بفضل إستراتيجية الطاقة التي تغذي العالم، والردع العسكري بإعلانه عن منظومات صاروخية فوق صوتية قادرة على إهلاك أي دولة على الأرض، أضف لذلك، ثقة الحلفاء بروسيا، وعضويتها في مجلس الأمن الدولي.

 

كرر بوتين بأن روسيا من حقها استخدام القوة إذا ما رأت أن أمنها مُهدَّد، وبأن الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الغربية تجاهلتا مصالح موسكو الأمنية، ويُذكّر النخبة الروسية السياسية والعسكرية على الدوام بأن الانهيار السوفيتي كان أكبر كارثة جيوسياسية عظمى في التاريخ المعاصر، خصوصاً وأن حوالي 25 مليون روسي وَجدوا أنفسهم خارج التراب الروسي، ولأنه يرى في أوراسيا منصة تفاعلات سياسية وعسكرية واقتصادية بنى بوتين شراكة حقيقية مع الصين، واتفاقات حمائية لدول وأنظمة في إيران ومصر والهند وسورية والجزائر  وحتى الخليج، كي تصبح موسكو صاحبة الكلمة الأمنية العليا هناك، وهو ما يمثل حسب خبراء انتصاراً مرحلياً لعقيدة بوتين، بل قفزة في تاريخ الصراع على الجيوبوليتيك بين القوى.  

 

صراع "العقائد الاستراتيجية" بين القوى الكبرى

بين نظريات أمركة العالم والمشروع الأوراسي، لا يمكن اعتبار أن التاريخ يسير في خط مستقيم، فبدايةً، كانت سياسة القبضة الحديدية التي انتهجها الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان مع الاتحاد السوفيتي في خمسينيات القرن العشرين، مستغلاً التفوق الأمريكي وتصدر زعامة العالم الرأسمالي ووراثة مستعمرات الإمبراطوريات القديمة، والاجتياح العجيب للعالم بأسره من طرف القوى الصناعية الغربية بعد الانهيار السوفيتي، قد دفعت إلى الاعتقاد بأن توحيد البشرية ثقافياً أمر ممكن، وخاصة مع تشكل مركز ديناميكي لابتكارات تقنية فائقة؛ اقتصادية وسياسية وفكرية، ويُقابل هذا المركز أطرافاً جامدة ومهمشة في العالم بحاجة لبناء وتنمية. ولكن ظل التوتر يتصاعد بين روسيا وبجانبها الصين من جهة، ومن جهة أخرى الولايات المتحدة الأمريكية وخلفها العالم الغربي، نتيجة الانعطافة الأميركية صوب المحيط الهادي، وهو ما خلق يقظة شرقية وحذراً إستراتيجياً، مما دفع القيصر الروسي بوتين وخلال سنوات حكمه إلى إقفال منطقة القوقاز في وجه حلف الناتو وأمريكا، وجاء التوسع الروسي في جورجيا وسورية والقرم ودعم إيران وميليشيا حفتر في ليبيا رداً على حالة التمدد الأمريكي، فبوتين بكل تأكيد لن يرضى بالفُتات ليثبّت عقيدته في كل إقليم دخلته جيوشه حسب ما يسميه "دواعي الإنصاف"، وهذا ما عَبَّر عنه وزير الدفاع الأمريكي الأسبق ليون بانيتا في مقابلة له مع "CNN" بالقول: "بوتين يفكر بروسيا وطريقة توسيعها وكيف يقسّم الشرق عن الغرب، يبذل كل ما يستطيع للحصول على النفوذ في الدول السابقة في الاتحاد السوفياتي". 

 

ولأن التفاعلات في النسق الدولي تتّسم بالفعل ورد الفعل، فظهور وحدات سياسية جديدة، مثل روسيا والصين والهند، يبدو أمراً طبيعياً لإحداث توازن دولي، وهذا الأمر نظَّر له كثير من المفكرين الإستراتيجيين أمثال زبيغينيو بريجنسكي في كتابه "رؤية استراتيجيّة" أنْ لا تتمتع الولايات المتحدة بالنفوذ والزعامة نفسها بعد العام 2025، عارضاً العديد من الأسباب الداخلية والخارجية لهذا التراجع، ومن بينها التدخلات العسكرية في العراق وأفغانستان. 

ويتّفق المفكّر فريد زكريا في كتابه "عالم ما بعد أميركا" مع طرح بريجنسكي القائل: إنّ أميركا ستبقى على المستوى السياسي والعسكري مهيمنة على العالم، رغم أنَّ البنية الشاملة للأحادية القطبية على المستوى الاقتصادي والثقافي والمالي ستضعف تدريجياً. 

هذا التنظير من رواد علم السياسة عززته اعترافات متلفزة من الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، أدلى بها في خطاب له قائلاً: "لا شكَّ في أننا نعيش نهاية الهيمنة الغربية على العالم، والتي امتدّت ثلاثة قرون، فالأمور تتغير، وقد تعمّقت كثيراً بسبب تراكم أخطاء الغرب في بعض الأزمات، وبسبب الاختيارات الأميركية لعدة سنوات، والتي أدت إلى إعادة الصراعات في الشرق الأدنى والأوسط وأماكن أخرى... إنّه أيضاً ظهور قوى جديدة اليوم، لا شكّ أننا قلّلنا من شأنها، وفي مقدمتها الصين، أيضاً الاستراتيجية الروسية، والحقّ يقال إنها تقود منذ بضع سنوات إلى المزيد من النجاح...". ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يبني الروس سياستهم نحو المجد الأوراسي، بالمخ أم بالعضلات؟

تستلهم السياسة الروسية خطواتها وفق ما سُمي حقاً "العقيدة الأوراسية"، والتي ترتكز على قاعدتين أساسيتين: 

الأولى: بناء الشراكات والتقارب مع قوى مناوئة أو متوجسة من النفوذ الأمريكي. 

الثانية: توسيع أراضيها التي تشكل قوساً جغرافياً إستراتيجياً، وتضم أراضٍ شاسعة فيها مخزون من أكبر مخازن الثروة الباطنية في العالم.  

فالمرتكز الأساسي هو التخطيط واستغلال الفجوات في سياسة القطبية الواحدة ومن ثم استخدام العضلات عند اللزوم، ويقول ألكسندر دوغين في كتابه أسس الجيوبوليتيكا: "قطبان كحد أدنى أو الموت"، هذه هي نتيجة الصراع بين الغربيين والروس، ولقد بلغ الوضع اليوم مستوىً من الواقعية لا سبيل معه إلى اختيار روسيا بين الحسن والأحسن، فإذا استطاعت أن تقيم استقلالها الجيوبوليتيكي، فضلاً عن العودة الواعية للجوار القريب (بدايةً في أوكرانيا) ستكون ضمانة للاستقلال الثقافي والديني واللغوي والاقتصادي والسياسي المستقبلي، وهذه المرحلة الانتقالية المأساوية للغرب حسب دوغين المنطق الأساسي دون شك لزيادة أكبر لعدد الحلفاء والتابعين لروسيا الأوراسية في شرق العالم وغربه. 

مهما يكن، فهذا التنظير كله ستثبته تطورات المشهد الأوكراني وما يليه من أحداث، ومدى صمود حلفاء الغرب في كييف تحت ضربات القيصر الروسي في ظل الإمداد الأمريكي والأوروبي لهم، فإن كانت النتيجة تحييد أوكرانيا ونزع سلاح جيشها، ودخولها تحت العباءة الإدارية الروسية، فهو ذروة المجد الأوراسي وانتصاراً لعقيدة بوتين الإمبراطورية، وإذا غرق القيصر وجنوده في المستنقع الأوكراني وهذا محتمل، فهي النتيجة التي لن يرضى بها الروس بعد سنوات الإعداد لمثل هذه الخطوة التاريخية الحاسمة، وستكون تسوية تاريخية فاصلة بين الأوراسيين والأطلسيين.