يجب علينا كبشر أن نتساءل عن الغاية من وجودنا، ولماذا نحن هنا في هذه الدنيا؟ وما الغاية من وجودنا في هذا الكون؟ وإلى أين المصير بعد الموت؟ هذه وغيرها أسئلة فطرية غائية؛ أي أسئلة تميزنا عن الحيوانات التي لا تحركها إلا الغرائز، وهذا المكون الفطري -الشعور بالغائية (الهدف الأسمى)- هو رحمة وعذاب، رحمة في المنظور الإيماني؛ لأنه يدفع الإنسان دفعا إلى البحث عن الجواب، فينجذب إلى الدين الحق، الذي يجيب عن هذه التساؤلات إجابات شافية تروي العطش وتقنع العقل، وذلك من خلال اتصال الإنسان بربه وخالقه عن طريق نور وحيه الخالص، الكتب والرسل والأنبياء، لكن هذا المكون الفطري في المقابل عذاب للملحد (غير المؤمن)؛ لأنه سيثير لديه تساؤلات لا جواب لها، وإذا حاول الجواب عنها فإنه سينتهي بالشعور بالعدمية، واللامعنى واللاقيمة.
 قال الله تعالى: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (الجاثية:24)، حيث ترينا هذه الآية تخبطات الملحدين في التهرب من هذا العذاب النفسي، فمثلا بروفيسور تاريخ علم الأحياء "وليم بروفاين" من "جامعة كورنيل" هو شخص ملحد يقّر بانعدام أي معنى أو غاية للحياة، ويقول إنه كان قد شفي من سرطان الدماغ، لكنه يتوقع عودة المرض له وسوف يموت منه وتنتهي الأمور معتمدا في ذلك على إلحاده، وهذه هي النتيجة حتما بما أنه لا غاية ولا معنى للحياة، فإما أن تكون هذه الحياة بالنسبة إلى هؤلاء جميلة، جمالا ماديا واضحا، وإلا فمن الأفضل لهم أن تنتهي أو أن ينهوها بأنفسهم، لهذا فإن سؤال الغاية والهدف من حياتنا يعتبر عذابا كبيرا لمنكر وجود الله تعالى.
 هذا وعندما سُئل الملحد "ريتشارد دوكينز" عما إذا كان العلم يجيب عن سؤال: "لماذا نحن هنا في هذه الحياة؟"، أجاب: "سؤال سخيف، لا يستحق جوابا، وليس من حق السائل أن يسأله!" وذلك على الرغم من أن حتى الأطفال يسألون عن الغاية من كل شيء يرونه، أما حسب الإلحاد فمن السخافة أن تسأل عن الغاية من وجود الإنسان، الذي يفترض أنه أهم شيء في هذه الحياة.
 العلوم عامة والعلم التجريبي خاصة، يحاول معرفة الغاية من وجود الأشياء والظواهر الطبيعية حولنا، أما حسب منظور الإلحاد، فاستكشف كما تريد واسأل كما تريد، لكن ليس من حقك أن تسأل عن الغاية من وجودك. والسؤال هنا موجه لهؤلاء الجاهلين! هل يعقل أن يستكشف الإنسان الأرض بما فيها من يابسة وبحار وهواء، والقمر والمريخ والفضاء، ويتكلم عن المجرات التي تبعد عنا مليارات السنوات الضوئية، ثم يجهل نفسه التي بين جنبيه، والغاية من وجودها؟!
 

جواب "دوكينز" المتناهي في السخافة هو في الحقيقة منسجم مع النظرة الإلحادية المادية البحتة، فالصدفة العشوائية لا تفعل شيئا لغاية، والعلم التجريبي هو بالفعل لا يستطيع معرفة الغاية من الحياة، لكن بدلا من أن يعترف الملحدون بأن هذا يدل على قصور النظرة المادية البحتة، فإنهم يستنتجون أن سؤال "لماذا نحن هنا؟" سؤال سخيف! وذلك لأن ماديتهم لا تجيب عنه، لهذا لا تستغرب بعد ذلك أن يقول "دوكينز": الكون كما نشاهده يتمتع بالخصائص التي نتوقعها تماما، إن كان في حقيقته بلا تصميم، وبلا غاية، وبلا شر ولا خير، لا شيء سوى قسوة عمياء لا مبالية.

وهذا أسلوب يختاره بعض الملحدين في التعامل مع الشعور بالغائية، أي تسخيف هذا الشعور الفطري، بينما يقول لك البعض الآخر، نعم إنه على المستوى النظري، فالحياة ليس لها هدف حقيقي ولا معنى، لكننا لا يمكننا العيش وفق هذه الرؤية النظرية، فعلينا أن نسعى إلى تخليق المعنى، أي لنوهم أنفسنا أن هناك غاية، حتى نستطيع العيش، والمعنى السابق موجود فعلا في فرع فلسفي يسمى (العدمية الوجودية). 
 طبعا قد يخدع الإنسان نفسه فترة من الزمن، لكن ماذا بعد ذلك؟ هنا اختار بعضهم كبديل عن هذه المهمة الصعبة؛ مهمة إيهام النفس بأن للحياة غاية، وهي ألا تؤمن بما بعد الموت، وهنا يجيبك أحد أكبر مخرجي الأفلام الأمريكية، الملحد "وودي آلن الذي يقول: "إن الإعلام يخادع الناس، ويوهمهم أن لحياتهم معنى مع أنها عديمة المعنى في الحقيقة، وإن أفضل وسيلة هي تشتيت الناس وإلهاؤهم، حتى لا يسألوا أنفسهم عن معنى الحياة، ولا يواجهوا الحقيقة المرة، إنه لا معنى لها، وإن عليك أن تبقى تلهي نفسك وتشتتها؛ لأنك إن جلست مع نفسك قليلا، فسيهجم عليك سؤال: ما مصيري بعد الموت؟"، تذكر كلماته هذه، حيث يقول الله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (الحشر: 19)، أي نسوا الله تعالى فأنساهم الغاية من خلقهم، وأنساهم العمل لما ينفعهم، واهتموا بكل شيء إلا بأنفسهم التي بين جنبيهم.
 كما وهناك أسلوب آخر للالتفاف على الشعور بالغائية، وهو ما اتبعه البروفيسور الملحد "لورانس كراوس"، والذي نشر قبل فترة ليست بالطويلة كتاب "أعظم قصة رويت حتى الآن، لماذا نحن هنا؟"، والمفارقة هنا هي بين العنوان والمضمون!! فالكتاب هو محاولة لتسهيل فكرة العدمية على الملحدين، ومحاولة لتخفيف ألم سؤال الغاية من الوجود والمصير بعد الموت، وقد ألقى "كراوس" محاضرة في جامعة "كونواي" بنفس مضامين الكتاب، وبعد أن شرح دقة القوانين التي تحكم الكون بدقة مذهلة، قال: "العالم الذي نتواجد فيه استثنائي جدا لكنه صدفة"، ثم ماذا استنتج كراوس في النهاية؟ يقول لك: "لا تشعر بالإحباط من كون حياتنا بلا معنى، بل استمتع بهذه الصدفة، التي أتت بك إلى الكون".
 ونلاحظ هنا كل هذه المحاولات للالتفاف على هذا الشعور بالغائية؛ لأنه شعور فطري عميق، يجفف القلب والنفس والروح، حيث لا يرويه إلا ماء الوحي النقي من الله تعالى والإيمان به، وكل ما يقوم به هؤلاء الملحدون، ما هي إلا خدع وحيل نفسية يخدع بها الملحدون أنفسهم، وهم للمفارقة المحزنة الذين يقولون عن المؤمنين بوجود الله تعالى، أنهم يخدعون أنفسهم!
 الملحد الفرنسي الشرس "جان بول سارتر" لم يتحمل الاستمرار في هذه المخادعة، وبعد سنوات طويلة أمضاها في محاربة مبدأ وجود الله تعالى، علا صوت فطرته وشعوره بالغائية فقال: "لا أشعر أني وليد الصدفة، نقطة من التراب في هذا الكون، بل أرى نفسي شخصا محسوبا حسابه، معدا لغاية، سبق تقديره"، أي كائنا لا يمكن أن يوجده في هذه الحياة إلا خالق، وإن ما أعنيه باليد الخالقة هو الإله، وهكذا ترك "سارتر" إلحاده واعترف بوجود الله تعالى (ليس الإسلام).
 أخيرا نقول إن أسئلة الشعور بالغائية ضاغطة، ومواجهتها مؤلمة جدا للملحد، فالإنسان بلا غاية يصبح تافها بلا قيمة، وما أصعب أن تشعر بأنك تافه، ولكن هذا ما يشعر ويفكر به الملحدون، فالملحد "ستيفن هوكينغ" قال: "الجنس البشري هو مجرد وسخ كيميائي، موجود على كوكب متوسط الحجم"، وهو أيضا القائل في نفس السياق: "إننا عديمو الأهمية تماما، بحيث لا يمكنني أن أصدق أن هذا الكون كله موجود من أجلنا"، كذلك تجد في مواقع الملحدين كلاما نصه الحرفي: "صورتنا الجديدة عن علم الكون تخبرنا أننا أتفه مما كنا نتصور في الكون، ليست لنا قيمة على الإطلاق، لماذا سيكون هكذا كون -نحن فيه عديمو الأهمية لهذه الدرجة- قد خلق لأجلنا". 
 

أما في التصور الديني الإسلامي، فنحن مخلوقون لغاية عظيمة، هي عبادة الله تعالى وتكوين علاقة المحبة بيننا وبينه، وأن تظهر فينا آثار صفاته، آثار كرمه وإنعامه ورحمته وعفوه وهدايته وإحسانه، فغاية كهذه تستحق تسخير الكون لصالح من كلف بها، حيث قال الله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية:13).


 بينما الملحدون يقولون لك: "لا، بل نحن أحقر وأحط من ذلك"، ومع ذلك كله يعتقد البعض أن الإلحاد يحترم الإنسان، ولسان حال الملحدين يقول غايتنا في الحياة أن نقنع الناس بأنه لا غاية للحياة، فالإنسان في ظل الإلحاد؛ وسخ كيميائي تافه لا يستحق أن يوجد الكون من أجله، أصوله حيوانية منحطة وعقله مشكوك في مصداقيته، حياته بلا معنى، بلا أخلاق مطلقة، بلا غاية، بل مجرد تساؤله عن الغاية والمصير، تساؤل تافه، ومن قال بغير ذلك من الملحدين فإنه يخالف إلحاده، ولا ينسجم مع نفسه، فالحمد لله الذي كرّمنا بمقام العبودية له، ولم يجعلنا من المهانين الذين امتنعوا عن هذا المقام، فأهانوا أنفسهم بأنفسهم، حيث قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (الحج:18).