لعلك قرأتها أيضاً كما قرأها الآلاف حول العالم، الوصية الأسرع انتشاراً وترجمةً بل وتأثيراً «أوصيكم بفلسطين درة تاج المسلمين، ونبض قلب كل حر في هذا العالم» وكأن كل من قرأها كان يقرأ وصية حبيب افتقده في لحظة غدر مفجعة دون هوادة. نعم يا أنس لقد بكاك العالم أجمع واشتد ألمهم ونحيبهم عند قراءة وصيتك التي تشبهك تماماً، وآن لك أيها الفارس أن تترجل.

بين المراد والواقع المرير 

في اللحظة التي ينتظر فيها أهل غزة أن تمدّ الأمة يديها الحانيتين لتحتضن بعضاً من جراحهم وآلامهم، ظهرت أياد محسوبة على الأمة ومدّت أياديها ورفعت أصواتها دعماً للكيان المحتل؛ في ذات اللحظة التي تأمل فيها الغزيون من علماء الأمة أن يحركوا العالم الإسلامي وأن يشحذوا هممَه لنصرة أهلنا في غزة، توانى الكثير عن ذلك بل وجرعوا أهل غزة ومقاومتها الاتهامات وأفَتَوْا الفتاوى دون مبالاة، وماذا عن المعابر وفتحها؟ ماذا عن الأزهر الشريف؟ وماذا عن نشامى الأردن؟ وماذا وماذا؟ لقد أسمعت إذ ناديت حياً...

ادفع بالتي هي أحسن

كثيرة هي الأعين التي تترقب أن يتغير حال أهلنا في غزة وأن تحدث المعجزة الخارقة، لكن هناك لحظات فارقة قبل حدوث المعجزة ولن تأتي هكذا من تلقاء نفسها. ولمن يسأل: ماذا أفعل؟ فقط ابدأ بنفسك، قم بالفعل ولا تنتظر فقط ردة فعل. تظاهر في كل فرصة، ارفع صوتك غضباً، اكتب، ارسم، تحدّث، انشر عما يحدث بكل اللغات التي تجيدها؛ أليس لك حرية التعبير عن الرأي؟ وتحرك لتكسر الحصار دون خوف. 

طالب بأن يأكل طفلك في غزة، وبأن تنام أمك وأختك وابنتك قريرات الأعين دون خوف أو جزع؛ هنَّ حرائر الأمة لا نرضى لهن ذلاً ولا انكساراً. 

وهل يكفي هذا؟ لا والله، إن ملاحقة المجرمين أمر لا بدّ منه في كل محفلٍ وفي كل مناسبة. ولعلك شاهدت ذلك الفيديو لنازي إسرائيلي يتفاخر بأنه قتل طفلة في الثانية عشرة من عمرها ولم يجد أي رضيع فلسطيني لقتله، ولربما رأيت دانييلا فايس تلك المتطرفة وجميعهم مثلها يطالبون نتنياهو بأن يمضي قدماً لتحقيق آمالهم بإسرائيل الكبرى؛ فهم يريدون استيطان ما يمكنهم من تحقيق حلمهم الموعود. وإن تزعم أنها متطرفة وأن الكثير من الإسرائيليين يرفضون ما تقوم به حكومتهم، ابحث قليلاً عن تلك المقاطع التي يظهر فيها الكثير منهم وهم ينتظرون بحماسة لضم غزة لإسرائيل، ويرى الشباب منهم أن قتل الفلسطينيين وتدمير نسلهم هو الحل الأمثل لقيام دولتهم. ماذا نريد بعد؟ إنها ثقافة قائمة لدى المحتل وشعبه بأن بقائه يعتمد فقط على محو وإزالة الآخر عن بكرة أبيه. 

وإن تزعم أنت بأن الطوفان كان مغامرة غير محسوبة وأنها المتسببة فيما يحدث الآن في غزة، أتساءل أنا: ماذا عن معاهدات السلام القائمة في الضفة؟ هل حفظت حقوق الفلسطينيين فيها؟ أم أنها لم تبقِ ولم تذر؟ 

دعني أسألك: هل تعرف عدد أسرى الضفة من الأطفال؟ نعم، الأطفال. وهل تعلم الممارسات القذرة ضد الأسرى والأسيرات في السجون؟ لا أحدثك عن أسرى غزة، أحدثك عن أسرى الضفة والداخل الفلسطيني. دعني أحدثك أكثر: ماذا عن المستوطنين وممارساتهم ضد الفلسطينيين؟ وماذا عن جدار الفصل العنصري؟ أخبرك الآن عن منطقة غير مقاومة منزوعة السلاح تحت سيطرة الاحتلال، والأخرى تحت قيادة ترى أن للاحتلال الحق في الدفاع عن نفسه. وإن كنت تزعم أن غزة أضعف من أن تقاوم الاحتلال لأنه أقوى وأكثر عدة وعتاداً، أيها المتحذلق، نحن على أبواب عامين من المقاومة لم يتمكن الاحتلال من إخضاعها. 

وإن قلت إن إسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة وغيرها من الدول، سأقول لك: ارجع للتاريخ قليلاً لعلك تفهم؛ فهناك عين جالوت، وهناك معركة حطين التي جاء النصر فيها بعد تضحيات كبيرة وأمد ليس بالقصير، وفي السيرة نجد أن معركتي بدر والأحزاب علمتنا الكثير من الدروس؛ ففي بدر انتصر المسلمون رغم قلة العدة والعتاد، وفي الأحزاب انتصر المسلمون أيضاً رغم تحالف الأحزاب ضدهم ورغم الخيانة ونقض العهد من بني قريظة. إذاً ليست تلك حجة دامغة أن يكون العدو أكثر أو أقوى أو صاحب دعم لا متناهي. 

ماذا عن المقاطعة؟ فهي لم تجدِ نفعاً؟ لعلك تتمتم بهذا التساؤل؛ لا أدري هل هو بريء أم ساذج. لكن دعنا من هذا، ولأجب عن تساؤلك: أريد منك أن تتعب يديك لتكتب في جوجل خسائر الاحتلال الاقتصادية والسياحية منذ ما يقرب العامين، ولعلك تعلم تماماً من يمد الاحتلال بالمواد الأساسية من بعض الدول المحسوبة عربياً.

لنبلوهم

لست وحيداً، فالكثير حول العالم يصنعون المعجزات؛ معجزات بدأت بخطوة صادقة في إظهار الحقيقة للعالم: حقيقة الاحتلال، وقد نجحوا. ولست عاجزاً؛ تستطيع أن تصنع معجزتك وأنت في أي مكان. المعجزات ممكنة؛ المقاطعة أو الاستغناء عن كل ما يمكنك الاستغناء عنه معجزة، وكسر الصمت العالمي معجزة، ودعم المبادرات لفك الحصار معجزة أخرى. أخواتنا في السجون تستباح أعراضهنّ، وأطفالنا لا يجدون ما يأكلون فيموتون تجويعاً، وأمهاتنا تعاني الأمرين ما بين نزوح وتجويع، وآباؤنا كم لاقوا من الويلات، ألا يكفي كل هذا؟ بلى يكفي. 

ولا تقل: أنا وحدي، وتذكر: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. أنت في حقبة تاريخية ليست كسابقاتها؛ فلتكن عنصراً في التغيير ولا تكن هامشاً في مهبّ التاريخ ورقماً في الإحصائيات. 

كل ما أرادته منك غزة أن تفعله ألا تقف متفرجاً؛ أي فعل منك سيكون له وقع عليهم. ماذا تريد غزة؟ تريدك أن تقف في وجه الظلم والعدوان، تريدك أن تقول كلمتك في كل مكان، تريد من نورك أن يسطع ليمحو الليل الذي طال عليها؛ لعلك تكون ممن قال الله عنهم: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ فكن أنت الأحسن عملاً.

إلى أين يا غزة؟

إلى النصر والتمكين؛ فهذا ما يليق بك يا درةَ المدائن ويا قبلةَ الشامخين، إلى النصر المبين ولو بعد حين. فأنت علمت الملايين كيف يقفون في وجه المعتدين كيف يقولون لا لكل معتدٍ أثيم، كيف أن الحقيقة لا تُؤخذ من أفواه الغاصبين المتملقين، وكيف أن الحريات ما هي إلا شعارات يرددها ذوو الوجهين. يا غزة لقد غيرت المفاهيم واعتدلت بثباتك الموازين؛ لله درك يا مدينة الصابرين.