في دمشق مرآة روحي، في دمشق مُزِّقَ روحُ الإنسانية، ومُثِّل بجُثّةِ العروبة شرَّ تمثيلٍ وأَيَّمَا تنكيل، في دمشق اغتيلت الإنسانية، ومُرِّغ أنفُ الطفولة بالتراب النديّ بالدماء، في دمشق تشرذمت أحلام الشباب الصادحة بالحبّ والرضى واليمان والتمام! في دمشق اغتيلت الفكرةُ بالرَّغبةِ الآثمة، وخَانَ شَمْشُونُ دَلِيْلةَ وعَينَاهُ إلى طُهْرِهَا تَرْنُوَان، فسَلامٌ على الدنيا، وسلامٌ على الإنسان. 

في الغُربة يصبح الوطن أشبه بِدَفْقَةٍ شُعُوريةٍ تَتَطَاير الوجوه فيها، وتَتَبَعْثَر الأسماءُ في فَضَائها، "يومَ كانوا.. ويومَ كُنَّا"! هل فكّرت يومًا كيف يَبْدو الوطنُ في عَينَي مُهَاجرٍ صغير؟

يُختَصر في وجوه أَلِفَها وأَحَبَّها، في قلوبٍ اشتاقَ إلى دِفْئِها، وفي عُيونٍ كانت تَحْتَويه بِبَرِيقِ مَحَبَّتها.

في الغربة كثيرًا ما نُرَاوِدُ النّسيانَ عن أنْفُسِنَا فَيَأْبَى، ويُخيّل إليّ في حينٍ أنّنا سنُدْمِنُ هذه المُرَاودةَ بعيدًا عن رغبتنا الحقيقيَّة في تحقيقها وإنجازها، وأخالُ في أحيان أنّه مَرامٌ لا يُطالُ بالرغبة، ولا يُدنَى منه بالقُدرة، أَتُرَاه كان سرابًا!

هل ينسى الإنسانُ وطنَه بِحَضْرَة البَدِيل الأفضل مَرَافِقًا، والأجمل طبيعةً، والأَرْفَه عَيشًا؛ حين ينعم بالأمان، وشيء من الاستقرار؟ أو بمحض أن يُغَيَّر اسمه، أو عِرقه، في بطاقة تُدعى الهُويّة.. ولا هُويّة! 

حين تمشي في حاراتها القديمة تَنْجَلي روحك، عَبَقٌ أَخَّاذ، وحَنَايا عَطُوفة، تَضُمّك، تَلُفّك، تَحْتَويك، وتُحَلّق بك في سماءٍ من كَرامة مَسْلُوبة.. 

هل تُجْتَثُّ جذوره من أرضه بمحض أن تُلْقَى عليها ظِلالٌ من ظُلمٍ وظَلام، من كُرْهٍ وافتراء؟!

تائهون في مَدَى السّؤال، وعابرون على خُطى الغَمام، وما مِنْ مَأوى! وما من سَلام!     

دمشق.. دمشق في روحي أمان، وفي قلبي سِحرٌ وخيالٌ وسلام، ألَا مَن يُعِيدُنَا ويُعِيدُها؟ بِبَهَائِها وبَهَائِنا، حين حَلُمْنا وأردنا، فاغْتِيلَ الحُلم، وزَاغَت النَّوايا، أَتُراها تَشْتَاقُنَا بالقَدْرِ الذي نَشْتَاقُها به! شوارعها، حاراتها، دكاكينها، سياراتها... أتشتاقنا دمشق بِسُورِهَا وخارجه؟! 

دمشق.. حكايات الجَدّات السّاحرة، من أَخَادِيدِها تَنْضَحُ الحياةُ بوَجْهِهَا الأُرْجُوَاني، وحين تمشي في حاراتها القديمة تَنْجَلي روحك، عَبَقٌ أَخَّاذ، وحَنَايا عَطُوفة، تَضُمّك، تَلُفّك، تَحْتَويك، وتُحَلّق بك في سماءٍ من كَرامة مَسْلُوبة... 

كانت المرّاتُ الأخيرة من كلّ شيء فعلتُه فيها أكثرَ إيلامًا من نَبْضِ قلبٍ في صدرِ عاشقٍ مَبْتُورِ الأمل، بالموت، بالعَجْز، برائحة الياسمين.. في ترابها غرسْنَا أيامنا وأوهامنا وجِدَالاتنا التي أحرقَتْ بقايانا.


أمام قلعة دمشق، بجانب سوق الحميدية، وعند تمثال صلاح الدين، يَقِفُ التَّاريخُ شَاغِرًا فَاه؛ أأنتَ؟ وأنتِ؟ وأين نحن؟ ومَن أنتم؟

على الحجارة التي لَهَتْ أقدامُ الزّمان بها، تلك الحجارة المصفوفة بِعَبَثِيّة في حاراتها القديمة، وأمام أبوابها السَّبعة، تَرْتَجِفُ أطرافُك حُبًا وعشقًا لروح دمشق الشَّامخة رغمًا عنهم وعنّا، وما أَبْدَع مَنْ قال:

"إنِّي لَأَعرفُ في دِمشقَ حِجارةً… تلْقِي عَليّ إذا مَرَرْتُ سَلامًا
هل تَعْرِفُ الدُّنْيا بِلادًا صَخْرُها...  عندَ اللِّقاءِ يُمَيِّزُ الأرْحَامَا؟"
وما أصدق مَن قال:

"لمّا أَرَدْتَ إلهي أنْ تَملأَ الأرض عِشقًا… نَادَيتَ تُربةَ حُبٍّ: كُونِي فَكَانتْ دِمَشْقا"

هلّا سألت أهل الشّام عن ريحانِها؟ عن مائها وهوائها وبساتينها وجوريّها؟ ماذا أقول عن رائحة الشّام، وماذا أُبين؟
"وَلَو عَبَقتْ في الشّرق أنفاسُ طِيبِها…. وفي الشّرقِ مَزْكوم لَعَادَ له الشَّمُّ"

هل تلمّست ترابها؟ هل شمَمْتَ مسكه النديّ بدماء قطرَتْ من فكرة لم تنضج كما يليق بها..كما يليق بدمشق! لكنها ما زالت على الرّغم من رائحة الدّم والكبريت، وصوت الكراهية والشّتات، وتشظّي كثير من أوداجها؛ ما زالت إذا ما دخلْتَ أجواءَها نَعِمْتَ بتنشّق نسيمها العليل تعبًا وألمًا وعذوبةً ورقّةً!

جمال الأماكن ورسوخها فينا لا يتعلّق بها بقدر ما يتعلّق بنا؛ بشعورنا يوم كُنّاها وكانتنا، بحنوّها علينا يوم غارت مراسينا، وبقسوتها –أحيانًا-  يوم اشرأبّت أعناقنا تطاولًا بجذورٍ هشّة، أيا دمشق اعلمي، لا شيء يُغريني ويُنسيني، فَفِيكِ وَحْدَك "مِرآة رُوحي!" وجَلاءُ نَفْسِي.