يتضمن هذا المقال التفريغ النصي الكامل لمحاضرة «القرآن قائدًا»، التي قدّمها الدكتور عبد الرحمن زكي حمد لمشتركي برنامج «الطوفان والقرآن» يوم السبت 24 يناير 2026. والدكتور عبد الرحمن زكي حمد باحث وكاتب متخصص في الدراسات القرآنية، وعضو في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وفي هيئة علماء فلسطين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وإمام المتقين، وقائد المجاهدين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا ينفعنا. لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. اللهم آمين، ثم أما بعد.
معركة الطوفان الأقصى من المحطات المفصلية في التاريخ المعاصر، وربما لا أبالغ إن قلت، وكما قال غيري من المحللين والدارسين والباحثين، أنها أهم معركة خاضها المسلمون في المائتي سنة الأخيرة. إذ لم تأتِ معركة بهذا الحجم وبهذه الآثار والانعكاسات على العالم كله فكرًا ووعيًا وسلوكًا، وغيرت كثيرًا من المعطيات الدارجة التي كانت موجودة في العالم قبل هذه المعركة.
هذه المعركة لها أسرار، والثبات المبهر الذي حصل فيها لم يأتِ بالمجان. والجيل الذي خاض هذه المعركة وثبت فيها لم يخرج فجأة، إنما هذا الجيل خاض مشوارًا طويلًا جدًا من التربية والإعداد قبل البدء في هذه المعركة.

كيف ثبت جيل الطوفان في هذه المعركة العظيمة؟ 

هذا المشوار أهّله لأن يخوض هذه المعركة ويقدم فيها النموذج الذي رأيناه والذي شهدناه. ما هي المعايير أو الإجراءات التي اعتمدها هذا الجيل في تربيته وإعداده لنفسه للوصول إلى مرحلة الثبات في هذه المعركة العظيمة؟
أهم معلم من هذه المعالم هو التمسك بالقرآن الكريم تمسكًا حقيقيًا. لم يكن تعاملهم مع القرآن الكريم كالتعامل الذي درج عند كثير من المسلمين في زماننا عن طريق الحفظ والمراكز القرآنية وما يحصل اليوم في زماننا من كثرة الاهتمام بالمنتج والمخرج المتعلق بالحفظ  وتكثير عدد الحافظين والتكريم بناءً على هذه الأرقام.

الذي حصل في غزة هو شيء مختلف عن هذا تمامًا، وهو تربية قرآنية واعية، مبنية على حسنِ فهمٍ وتدبرِ للقرآن الكريم. وهذا هو المقصد الأعظم الذي أنزل الله سبحانه وتعالى لأجله القرآن.

وإذا تعاملنا مع القرآن بهذه الطريقة فسنأخذ بركته، وسيُغيّر في حياتنا. أمّا إذا تعاملنا معه على أنه كتاب للحفظ، وكتاب لتجميل الصوت، فلن نستغرب إذا سألنا بعد مشوار طويل من هذه الطريقة: لماذا لم يحدث أثرا؟ لماذا ليس هناك نتيجة؟ لماذا ليس هناك إنجاز؟ لأننا نسير في الطريق الخاطئ، أو لأننا نسير في جزء صغير جدًا من الطريق الصواب ولم نكمله. لا أقول “خاطئ” حتى لا يقول أحد إن الحفظ بركة وأجر؛ نعم، هو بركة وأجر وطاعة، لكنه وسيلة لغاية وليست هي الغاية. ما هي الغاية؟

غايتان من تنزيل الكتاب الحكيم 

الغاية يبيّنها الله سبحانه وتعالى في آيتين من كتابه الكريم. فقد أنزل الله سبحانه وتعالى هذا القرآن، وجعل تلاوته عبادة، لتقود هذه التلاوة وهذه العبادة إلى غاية التدبر والعمل. فالتدبر والعمل هما المقصد الحقيقي من إنزال القرآن بيننا.
قال الله سبحانه وتعالى في سورة ص: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فالله سبحانه وتعالى أنزل هذا القرآن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله معجزة خالدة لأمته إلى آخر الدنيا، لتتدبر هذه الأمة هذا الكتاب الحكيم، وتتفكر فيه، وتستنبط منه الحلول والمسالك الصحيحة في كل أمر يعترضها في طريقها.
فالمقصد هو التدبر المفضي إلى العمل. والتدبر يحتاج إلى تفصيل، إذ يظن كثير من الناس أن التدبر هو مجرد إعمال العقل، وحركة النفس مع القرآن، وتأثر القلب، ثم يكتفي بذلك. وهذا جزء من التدبر، لكنه ليس التدبر الكامل. فالتدبر إن لم يقترن بالعمل كان تدبرًا منقوصًا، ولم يؤدِّ الغاية التي جُعل لأجلها، ولم يحقق المراد الصحيح الذي يرضي الله سبحانه وتعالى.

وعملية التدبر هي عملية متكاملة، تبدأ بالتلاوة، ثم التفسير، ثم تعميق النظر والفكر، ثم انعكاس ذلك على القلب والمشاعر، ثم حركة الجوارح بعد ذلك. هذا هو التدبر النافع الذي أراده الله سبحانه وتعالى منا.

وفي آية أخرى من سورة النساء قال الله سبحانه وتعالى:  ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾. ثم جاء التعليل في قوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾. فاللام هنا لام التعليل، وكأنها تجيب عن سؤال: لماذا أُنزل الكتاب؟ لقد أُنزل ليحكم بين الناس، وليكون مرجعًا حاكمًا في كل شؤون حياتهم.

القرآن الكريم فإن لم نتعامل مع القرآن بهذه الطريقة، ولم يكن هذا أسمى أهدافنا في الدعوة، والإصلاح، والتربية، وتغيير النفس والمجتمع، فعلينا أن نعلم أننا نسير في طريق خاطئ، أو أننا أخذنا جزءًا صغيرًا من الحق وتوقفنا عنده، ولم نبلغ الغاية التي أرادها الله سبحانه وتعالى. فالكتاب نزل بالحق ليحكم بالحق، ومن تمسك بالحق لم يكن من الخائنين، بل كان من أهل الصدق والثبات.
هذا المعنى فقهه أهل غزة فقهًا عميقًا، وحوّلوه إلى واقع عملي مدروس، مطبّق، ومشاهد في تفاصيل حياتهم. وأنا عشت في غزة أكثر من ثماني وعشرين سنة، ثم سافرت إلى الخارج، وخالطت الشعوب والدول، وزرت مراكز قرآن ودور تحفيظ كثيرة، فلم ألمس هذا المنهج العملي التطبيقي كما لمسته في غزة. كان معظم الجهد في أماكن كثيرة منصبًا على الحفظ والتثبيت، أو القراءة والإقراء أي الإجازات القرآنية.

تحت راية الطوفان.. منهاج المسلم في زمن الغربة 

لن تخرج الأمة من متاهاتها، ومن الحالة التي هي فيها، إلا إذا رجعت إلى كتاب الله رجوعًا حقيقيًا صادقًا، وفق ما أراد الله سبحانه وتعالى وهذه هي رسالة كتاب “تحت راية الطوفان”. لأخي الشقيق الشهيد محمد زكي حمد رحمه الله، والذي نحن بصدد الحديث عن بعض عناوينه.
عندما أسأل عن رسالة هذا الكتاب أقول: وكأن هذا الكتاب يريد أن يُرجع المسلمين مرة أخرى إلى الإسلام الحقيقي الصادق. أنا سميته “منهاج المسلم في زمن الغربة”.  لماذا؟ لأن معظم الأفكار المطروحة فيه تدق وتركز على أنه الآن يُراد لدين جديد أن ينتشر بين المسلمين، غير الدين الحقيقي الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ويلبس لباسًا شرعيًا، ويؤتى له بالرموز، أو بين قوسين بالمشايخ، وتصدر له الفتاوى والمناهج، وكله تزييف وإبعاد للمسلمين عن الدين الحقيقي الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى.
الشهيد رحمه الله في كتابه طرق هذا الباب وفصل فيه في مقالته “القرآن يدير المعركة”. والقرآن حقيقة هو الذي أدار هذه المعركة، وهو الذي أدار همم وطاقات الشباب الذين ثبتوا في هذه المعركة.

زكي حمد ​                                 الشهيد القارئ المُقرئ محمد زكي حمد (1994-2025)

ملامح عن جيل القرآن في غزة 

قبل أن نبدأ في المواضيع المتعلقة بالقرآن ودلالاته في الكتاب، سأتحدث عن ملامح سريعة عن جيل غزة وشباب غزة، كيف ارتبط بالقرآن الكريم ارتباطًا حقيقيًا صادقًا.

أولًا، الحفظ المبكر 

يبدأ الطلاب بحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، في سن الأربع أو الخمس سنوات. يبدؤون الالتحاق بمراكز تحفيظ القرآن الكريم، ويقوم على عملية التحفيظ والتربية محفظون أكفاء متقنون، يجيدون العملية التربوية لأنهم أصلًا قد مرّوا بمشوار طويل من التربية، قبل أن يصبحوا مؤهلين لعملية التحفيظ والتلقين والتربية لغيرهم.  فالتحفيظ يبدأ مبكرًا.

ثانيا، التربية بالقرآن 

 وليس التحفيظ عبارة عن حفظ الواجب الذي يسمعه الطالب، بمعنى حفظ المقطع القرآني، بل يجب أن يُقرن مع التربية واستنباط القيم، ودلالة الطالب على هذه القيم، وعلى هذه التوجيهات القرآنية الموجودة في المقطع الذي يسمعه.

فمثلًا لو سمّع الطالب: ويل لكل همزة لمزة، فيجب أن يُنبه إلى موضوع الهمز واللمز والسخرية، واحترام الآخرين، والتعامل معهم بأدب، وعدم التكبر عليهم، وعدم التنابز بالألقاب. كل هذه التفاصيل يجب أن تُرسخ فيه من خلال حفظ آية فقط من سورة من قصار السور.

ولو وُسّعت النظرة على باقي السور ودلالاتها والقيم المكتسبة منها، يمكن استيعاب كم يتلقى هذا الفتى من القيم التربوية أثناء عملية التحفيظ. وهذا ما أنصح به، وأوصي به كل من يعمل في المجال القرآني، أن يعتمد هذه الطريقة في تحفيظ القرآن الكريم، بألا يكون الموضوع مجرد تسميع لمقطع قرآني، وإنما تفاعل مع القرآن وتربية عن طريقه.
وكما يسمى عند بعض الجهات وبعض المؤسسات: التربية بالقرآن، كيف يكون القرآن هو المربي على لسان هذا الشيخ والمحفظ.

ثالثًا، العبادات المُوجهة 

العبادات الموجهة، وليست العبادات بمعنى صلاة الفريضة فقط. العبادات الموجهة من المحفظ لهذا الطالب. فإذا مرّ بآيات فيها ثناء على من يفعلون طاعة معينة، يُوجَّه ويُكلف الطالب أن يقوم بهذه العبادة بطريقة معينة، بعدد معين، بوقت معين، المهم أن يكون الطالب من أهل هذه العبادة.
وكذلك العبادات التي يكون فيها نشاط جماعي، مثل ليلة اعتكاف، وقيام ليل، وصيام جماعي، وإفطار جماعي. كل هذا يعزز الإيمان، ويعزز الهمة عند طالب القرآن، فيكون له سمت، ويكون له حال، أو همة في الطاعة والعبادة. 

فلا ينتهي من عملية التحفيظ إلا وقد اكتسب قدرًا كبيرًا جدًا، وانعكس أثر القرآن عليه. فعندما تقول: فلان حافظ، نعم، هو حافظ بصدق وحق، وترى القرآن في أفعاله، وترى القرآن في سلوكه.

لقد ذهبت إلى بعض الأماكن، ورأيت حفاظًا، فتساءلت في نفسي: كيف أن يكون هذا حافظ قرآن؟ لا أرى فيه سمتًا، ولا حتى في الشكل واللباس، وحلقة الشعر، والكلام الذي يقال، لم يأخذ حظه من القرآن! والسبب أن عملية التحفيظ كانت مجرد حفظ نصوص وتخزين معلومات، ولم تكن عملية تربوية وهذا أمر مهم جدًا عند الحافظ والقارئ.

رابعًا، القدوة الصادقة في سُلوك المُربي

ومن الأمور المهمة التي تنعكس على الحافظ والقارئ ومن يتعامل مع القرآن، موضوع القدوة. فالمحفظ الذي يحفظ القرآن لهذا الطالب، يراه الطالب قدوة صادقة حقيقية فيرى الشيخ متخففًا من الدنيا، متعففًا عن بعض المباحات والحرام، متصدقًا مجاهدًا في سبيل الله، مشاركًا في الأنشطة التي فيها نصرة للمسلمين، ويراه مؤدبًا في تعامله مع الناس، بارًا لوالديه، واصلًا لأرحامه، محافظًا على عباداته.
فالطالب، وهو يتلقى القرآن، يكون قد تربى بالقرآن، وتربى بالقدوة. كأنك أعطيته منهاجًا نظريًا ومنهاجًا عمليًا؛ المنهاج النظري ما يأخذه من اللفتات والتوجيهات والقيم أثناء التسميع، والمنهاج العملي ما يراه أمامه من سلوك المحفظ والمربي.

خامسًا، التعزيز 

ثم يأتي التعزيز، من خلال تكليف الطالب ببعض التكليفات التي ترسخ في داخله هذه الطريقة في التعامل مع القرآن. هذا شيء يسير مما هو موجودٌ في غزة، وتوجد تفاصيل كثيرة تحت كل بند. 

التفاعل مع القرآن في كتاب تحت راية الطوفان 

بالعودة إلى الكتاب الآن، في معظم عناوينه تنويه وربط بآيات القرآن الكريم، وتفسيرها وتدبر فيها وتفاعل معها. الكتاب مكون من 354 صفحة، فيه عنوانان متعلقان تعلقًا وثيقًا مباشرًا بما أذكره الآن.
أولًا: آياتٌ استوقفتني
ذكر فيه إحدى وعشرين آية، وتحت كل آية ذكر تدبرًا وتفصيلًا معينًا، فبعضها بلغ حجمها نصف صفحة، ومنها ما أخذ صفحة ونصف، ومنها ما أخذ صفحتين وشيئًا بعد ذلك. وكل ذلك بحسب ما تحمله هذه الآيات من معانٍ ومن لفتات.
ثانيًا: تدبرٌ في القرآن المكيّ
حيث ذكر تقريبًا تسع سور مكية، وما استنبطه منها من استدلالات وفتوحات في الفهم، وانعكاسها على واقعنا. وسيختار الكاتب الشهيد بعض هذه الآيات، وسأذكر ما ذكره من لفتات مهمة، ولا سيما لنا في هذا الزمن الذي تكالبت فيه الأمم على أمّة الإسلام وعلى أهل الحق.

تأملات في مقالة «آيات استوقفتني»

تحت عنوان «آيات استوقفتني»، ذكر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص: 11]، وعلّق بأن هذه الآية تحمل أكثر من لفتة وأكثر من دلالة. الدلالة الأولى في قوله: «جند ما»، حيث قال إن «ما» هنا للتنكير، وكأنهم لا قيمة لهم أمام قوة الله وأمام أهل الحق؛ جند مجهولون، جند لا قيمة لهم. ثم قال في قوله: «جند ما هنالك مهزوم» إن في ذلك يقينًا وتقريرًا من الله سبحانه وتعالى بأن الهزيمة لاحقة بهم لا محالة.
وإن بدوا أمام أعيننا أنهم مسيطرون وأنهم مهيمنون وأنهم غالبون، إلا أن الحقيقة الصادقة واليقين الدامغ أن مصيرهم في النهاية هو الهزيمة. وأي هزيمة ستنالهم؟ نعم: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ﴾.
أيضًا ذكر في هذه الآيات قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: 179]، ويقول إن هذه الآية من الآيات التي تقرر سنة الابتلاء والتمحيص؛ فالله عز وجل لن يتركنا على الحال الذي نحن فيه من الحياة والدعة، والركون إلى الدنيا ما لم يقدّر علينا بعض الأقدار التي تميز الصف المسلم، وتمحّص المسلمين، وتفرّق بين الصادق والكاذب، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 140–141]، ثم قال سبحانه وتعالى بعدها: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]. فهذه الآيات كلها تؤكد على سنة الابتلاء وسنة التمحيص، التي لا بد أن يتعرض لهما المسلمون ليعلم الله عز وجل الصادق من الكاذب ويميز الخبيث من الطيب.
وكما قال الله عز وجل في آية أخرى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]. وكما قال الله عز وجل أيضًا في بداية سورة العنكبوت: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2–3]. فهذه الآيات تدلل على أن الله ما كان ليذر المؤمنين حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب. ومن الابتلاء أن الغيب محجوب عنكم، وهذا يحتاج إلى صبر ورضا بأقدار الله سبحانه وتعالى.

ومن الابتلاء مداولة الأيام بين أهل الحق وأهل الباطل، فليس شرطًا إذا قاتلت أهل الباطل أن تنتصر من أول معركة، وليس شرطًا إذا كنت على الحق أن تنتصر في كل معركة. هذا جزء من الغيب، وجزء من الصبر، وجزء من الإعداد، وجزء من التمحيص للصف المسلم، وجزء من الرفعة عند الله سبحانه وتعالى لمن صبر وثبت على الحق.

وأيضا من الآيات التي ذكرها تحت عنوان «آيات استوقفتني» قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 114].
وقال إن هذه الآية، رغم ما فيها من ألمٍ بسبب منع الصلاة في مساجد الله عز وجل، تحمل في طياتها بشرى لنا. وما هذه البشرى؟ قال: إن اليهود استهدفوا في مقدمة ما استهدفوا المساجد، فدمّروها، ولم يتركوا مكانًا يُذكر فيه اسم الله عز وجل. وهذا الفعل الذي أقدموا عليه مؤذن بتحقق ما ورد بعده في الآية: ﴿أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾.
وقال إن أرض غزة التي دمّر اليهود مساجدها لن يأمنوا فيها بإذن الله عز وجل، استنادًا إلى هذا النص القرآني، لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾، فليس لهم استيطان ولا أمن ولا أمان على أرض دمّروا مساجدها ومنعوا ذكر الله سبحانه وتعالى فيها.
وأيضًا من الآيات التي ذكرها في هذا السياق تحت عنوان «آيات استوقفتني» قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 139–140]. فذكر في هذه الآية قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أي ما دمتم مؤمنين بالله سبحانه وتعالى، فلا تهنوا ولا تضعفوا في ملاقاة العدو، وفي الصبر على قتالهم لأنكم أنتم الأعلون والأعلى منهم عند الله سبحانه وتعالى بتمسككم بدينكم وصبركم وثباتكم.
وفي آية أخرى قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: 104]. ويوصينا في هذه الآية بألا نضعف في قتال الأعداء، وألا نستكين، وألا نستثقل الجراح، ولا نستعظم التضحيات.
بل علينا أن نستمر في هذا المشوار، لأن الله سبحانه وتعالى وعدنا بأن الغلبة والنصر في النهاية من نصيب المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي لا تضعفوا في طلبهم، وفي قتالهم، وفي الصبر على ملاقاتهم. وقوله: ﴿إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾، فلو كنتم تدفعون التضحيات العظيمة، من قتلٍ وجراح ودمار، فهم أيضًا يألمون، وكيانهم يتفكك، ونفسياتهم تتدمر، ومشروعهم كله ينهار، وإن كنتم لا ترون ذلك عين اليقين أو بأعينكم، فإنه يقينًا موجود.
ثم قال الله عز وجل بعدها: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾، وهذا هو الفرق بيننا وبينهم؛ فنحن نحتسب ما يصيبنا أجرًا وثوابًا عند الله عز وجل، ونعلم أن لنا في النهاية الجنة، ونرجو من الله سبحانه وتعالى مغفرة ورضوانًا، وجنة عرضها السماوات والأرض.
أما هم، فماذا يأملون بقتالهم؟ وماذا يأمل الكافر بقتاله للمسلمين؟ لا يعمل إلا لتحقيق إنجاز دنيوي، فإن لم يحقق هذا الإنجاز، وهو لن يحققه، لأن هذا وعد الله سبحانه وتعالى بأن النصر في النهاية حليف المؤمنين، فماذا كسب؟ لم يكسب شيئًا، لا دنيا ولا آخرة.

وهذا كله يجعل القارئ المتدبر للقرآن الكريم يشعر بهذه المعاني، ويتيقن بهذا اليقين، فيمنحه ذلك قوة كبيرة جدًا في مقاومة الباطل، وفي الثبات على الحق، لأنه يعلم أن التجارة مع الله عز وجل رابحة على كل حال. فهي إحدى الحسنيين: إما نصر، وإما شهادة في سبيل الله سبحانه وتعالى، وعلى الحالتين يكون قد كسب الحسنى وكسب الشيء الأعظم عند الله سبحانه وتعالى. 

تدبرٌ في القرآن المكيّ 

أتى المقال الآخر تحت عنوان «تدبّر في القرآن المكي». وهنا تبرز لفتة مهمة: لماذا اهتم الشهيد، وهو في قلب المعركة، بذكر اللفتات الواردة في القرآن المكي؟ ولماذا لم يتناول لفتات من القرآن المدني، مع أن الجهاد فُرض في المدينة، وأن القرآن المدني زاخر بآيات الجهاد وآيات المنافقين وآيات الأحكام الشرعية؟

إنّ اختياره للقرآن المكي لم يكن عفوًا؛ فقد نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في مرحلة كان فيها مستضعفًا ومخذولًا، يواجه شتى صنوف العذاب وألوان التنكيل والتهجير والتجويع. وكأن حال المجاهدين في غزة استحضر تلك المرحلة التي كان يعيشها النبي صلى الله عليه وسلم، فتساءلوا: كيف ثبّت الله نبيه في تلك الفترة؟ لقد ثبّته الله عز وجل بما كان يتنزّل عليه من القرآن، وقال الله سبحانه وتعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) [الفرقان: 32] فالحكمة من تنزيل القرآن بهذه الطريقة هي تثبيت القلوب، والربط عليها وتقوية الصف المسلم. وأراد الشهيد زكي أن يطبّق هذا الأمر عمليًا، فتوجّه إلى السور المكية، واستنبط منها بعض الدلالات التي تقوّي الإيمان واليقين في قلب المؤمن، ليَثبت على الطريق التي ترضي الله عز وجل، ويثبت في مواجهة الباطل. 

كتاب تحت راية الطوفان  ومن السور التي ذكرها في سياق تدبر القرآن المكي سورة الفجر، حيث ركّز فيها على ما جاء في ختامها من حديث عن النفس المطمئنة، وعن أصناف الناس بعد انتهاء هذا العالم، وأن هذا العالم ليس هو النهاية؛ ففيه ظلم كثير، وبعض هذا الظلم لا يُستوفى في هذه الدنيا.
فلو افترضنا أن إنسانًا أراد أن يقتصّ من ظالم قتل ألف إنسان، ولو أمسك به وقطّعه إربًا إربًا، حتى جعل كل قطعة بطول سنتيمتر واحد، لما كان ذلك عدلًا قياسًا إلى الجرم الذي ارتكبه. فذلك الظلم العظيم الذي اقترفه هذا الظالم، أين يُستوفى حقه؟ إنما يُستوفى في الآخرة. فهل الآخرة دار نجاة للظالمين؟ هنا تأتي هذه اللفتة في سورة الفجر، عند قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:25]، فالعذاب الذي سيلقاه ذلك الظالم الفاجر المجرم يوم القيامة لا يشبه أي عذاب من عذاب أهل الدنيا؛ فـ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم القيامة، لا يُعذَّب أحد مثل عذاب الله لهؤلاء الفجرة.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾. فمن الذين أوثقوا المؤمنين في الدنيا؟ هم الذين حبسوهم وأسروهم وأوثقوهم وظنوا أنهم بفعلهم هذا قد غلبوا وقهروا. فليَنتظروا؛ ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾، حيث سيُوثقون في نار جهنم، تُشدّ أرجلهم إلى أعناقهم، ويُسحبون ويُجرّون فيها بالسلاسل، كما جاء بيان ذلك في القرآن الكريم.

فهو يُنبه إلى أننا وإن كنا في هذه الدنيا قد خُذلنا وقُتلنا وقاسينا صنوف الأذى، إلا أننا نؤمّل ونتيقّن أن هناك يومًا آخر يقتصّ الله سبحانه وتعالى لنا فيه، ونرى فيه عذاب الكافرين بأعيننا، ونفرح بهذا العدل الإلهي.

وذكر قول الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ* عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين: 34-35]، ثم يأتي السؤال الحاسم: هل جُوزي الكفار بما كانوا يفعلون؟ وهل أُعطوا جزاءً عادلًا على ما اقترفوه في الدنيا؟ نعم، يا رب. فهي لفتة تجمع بين اليقين والتصوير وتثبيت القلب المؤمن. 
ثم يذكر سورةً أخرى، وكما هو الحال في بقية السور، فإنه يقف عند كل سورة بلفتة أو لفتتين. ففي سورة القلم ذكر لفتة تتعلق بواجب الداعية وواجب الشيخ وواجب المصلح وواجب الجماعات والحركات الإسلامية، وهي أن تقوم بتعليم الناس وتوعيتهم ودعوتهم وبيان الحق لهم والصبر على مشاق هذا الطريق، وعدم التراجع في أي مرحلة من مراحله.
وفي هذا السياق ذكر قول الله عز وجل: ﴿‏ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ ‎*‏ لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم: 48-49]، فيستحضر ما جرى مع نبي الله يونس عليه السلام ويربطه بالواقع المعاصر. 

ويطرح تساؤلًا عميقًا موجّهًا إلى الداعية والمصلح، وإلى الجماعات والحركات الإسلامية: هل أدّينا ما علينا حقًا؟ هل تركنا الميدان؟ هل انسحبنا؟ هل يئسنا من دعوة الناس وإصلاحهم؟ وهل أدّينا الأمانة على الوجه الذي يريده الله سبحانه وتعالى؟  فهو يلفت النظر إلى هذه القضية الجوهرية، في بيان واجباتنا وأدوارنا، والتنبيه إلى ضرورة الثبات عليها، وعدم التراجع عنها مهما كانت التحديات. 

ثم يذكر أيضًا سورة الجن ويقف عند قول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:18]، فيبيّن أنّ هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، ولم يكن على وجه الأرض يومئذٍ من المساجد إلا مسجدان: المسجد الحرام والمسجد الأقصى. يقول الله عز وجل لنبيه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، وكأن في هذه الآية بشارة بفتح المسجد الأقصى، إذ كان هو المسجد الوحيد القائم على وجه الأرض آنذاك بعد المسجد الحرام.
ومن السور المكية التي ذكرها الشهيد في هذا الكتاب أيضًا سورة الفرقان، وقد أشار فيها إلى ما تحمله من دلالات ومعانٍ في تثبيت المؤمنين. وتأتي في ختامها صفات عباد الرحمن الذين ينصرهم الله عز وجل ويؤيدهم، فبيّن أننا إنما نكون عبادًا حقيقيين لله عز وجل حين نتخلق بهذه الصفات، وحينها يكون نصر الله سبحانه وتعالى وتأييده.
ومن السور المكية التي تناولها كذلك سورة إبراهيم، وقال عنها: إنها سورة الفتوحات، وذكر أنه كان يحرص على قراءتها قبل كل غزوة أو قبل كل مهمة جهادية. وكتب في هذا السياق قائلاً: كنت قبل أي مهمة جهادية أقرأ سورة إبراهيم، فأستبشر بعدها بفتح الله ومدده. وذلك لما تحمله من معاني فتح الله وتأييده وتأكيد التوحيد، وذكر قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام، وكيف أيده الله عز وجل، وغيرها من الدلالات..
كما ذكر من السور المكية تدبره في سورة يس، وبيّن أنّها سورة تصف الكون، وتعرض آيات الله، وتبرز الإعجاز الإلهي، وتكشف ضعف الإنسان وحاجته إلى الله سبحانه وتعالى، كما تبيّن كيد الشيطان. وذكر في هذا السياق عددًا من اللفتات المتعلقة بالثبات، والحذر من كيد الشيطان، والتأمل في مخلوقات الله عز وجل…
ومن السور المكية التي ذكرها أيضًا في هذا السياق سورة ص، وما فيها من تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم، وبيان الهزيمة اللاحقة بالكفار المخالفين لدين الله عز وجل، وتأييد الله لعباده المؤمنين، وذكر إنعام الله سبحانه وتعالى على عباده، وكيف أن بعض الناس لا يحسن التعامل مع هذا الإنعام، ولا يؤدي ما يترتب عليه من واجب. 

أورادٌ قرآنية يومية ومجالس للتدبر والتعلم والإقراء

أختم بذكر حال الشهيد وإخوانه المجاهدين في التفاعل والتعامل مع القرآن أثناء المعركة نفسها. فقد أخبرني بعض الإخوة الذين رافقوا الشهيد في الميدان، ومن بقي منهم حيًا، أن لهم برنامجًا ثابتًا وعادات راسخة لم يفرّطوا فيها طوال فترة الرباط والاشتباك. كانوا قد غابوا عن الناس والعالم الخارجي، وانقطعوا عن الدنيا قرابة عامين، لا تواصل لهم إلا مع ميدانهم وربهم، ومع ذلك لم ينقطعوا عن القرآن لحظة. 
كان لكل مجاهد وردٌ يومي لا يتنازل عنه، وبعضهم كان ورده يتجاوز خمسة أجزاء في اليوم، يحافظ عليه في أشد ظروف المعركة. وكان لهم مجلسان ثابتان لتدبر القرآن الكريم: مجلس بعد صلاة الفجر، ومجلس بعد صلاة العصر، لا يُؤجَّلان إلا لضرورة اشتباك أو مواجهة مباشرة، فإذا خلا الوقت من القتال كانت هذه الجلسات قائمة لا تنقطع. وقد تدبروا خلال المعركة سورًا كثيرة، ولا سيما السور التي تتناول أحكام الجهاد ومواقف الصراع، كسورة آل عمران في مواضع متعددة، وسورة النساء، وسورة الأنفال كاملة، وسورة التوبة كاملة، وسورة الأحزاب كاملة، وسورة الصف كاملة، وسورة الحشر كاملة، وغيرها من الآيات والسور. 
وإلى جانب ذلك، كان ينعقد مجلس علمي يومي للشباب، وقد وصلت إلينا مؤخرًا بعض المقاطع المصورة التي توثّق حضورهم لمجالس العلم أثناء الجهاد، وكانت هذه المجالس متنوعة بين الحديث عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومواقف من سيرته، ومجالس في الأذكار والأوراد والدعاء، وأخرى في بيان الأحكام الفقهية المتعلقة بالنوازل والمستجدات التي فرضتها ظروف المعركة. وكان كل ذلك يجري بصورة دائمة ومنتظمة يوميا. 
وأيضًا مما كان ينعقد ومتعلقًا بالقرآن الكريم، وهذا شيء عجيب، مجالس القراءة والإقراء في الأنفاق. فقد كانت هناك مدرسة كاملة للقرآن الكريم بين المجاهدين أثناء المعركة. هذا يسمع، وهذا يثبت، وهذا يقرأ بقراءة وبرواية حفص عن عاصم، وهذا يقرأ برواية شعبة، وهذا يقرأ برواية ورش عن نافع، وهذا يقرأ بقراءة أخرى. وكان هذا كله يقوم به الشهيد رحمه الله، بعمل منظم، وهو تحت الأرض أثناء المعركة.

كل ما ذُكر يعطي جوابًا واضحًا عن سؤالٍ يتردد كثيرًا: كيف صبر هؤلاء؟ وكيف ثبت هؤلاء رغم كل هذا الخذلان، ورغم كل قوى الشر التي تحالفت ضدهم؟ 

إنّ هذا كله يعطينا نحن الأحياء اليوم، الذين نقرأ في هذا الكتاب، منهاجًا وطريقًا ومسارًا واضحًا. إذا أردنا أن نقاوم الباطل والكفر، فكيف نقاومه؟ لا أن نخدع أنفسنا ونقول: نحن صالحون، ونحن نصلي بحمد الله والأخوات محجبات! نعم، هذا جزء من معادلة الثبات، لكنه ليس كل المعادلة.
فالثبات يحتاج إلى تعلق حقيقي وعميق بكتاب الله سبحانه وتعالى، كما بدأت في البداية: تدبر، وعمل، وتفعيل، وتحكيم لكتاب الله عز وجل. ثم يحتاج إلى بذل، وعطاء، وتضحية منقطعة النظير، لنكون من أهل الحق، ومن الذين يكرمهم الله سبحانه وتعالى، ويعز الدين على أيديهم.
أسأل الله عز وجل أن يعزنا وإياكم بدينه، وأن يستعملنا في نصرة دينه وإعلاء كلمته، والحمد لله رب العالمين.