كان بعض الشِّيبان في قريتنا يقولون لمن يلقونه من أرحامهم وأحبابهم الذين طالت غيبتهم أو تأخر لُقياهم وعَظُمَ الاشتياق لِمُحَيَّاهم: "شمَمتُ رائحتك بالدِّيرة"، ويقولون أيضًا: "أقول الديرة منورة اليوم!"، بتنغيم العبارة صوتيًّا، تنغيمًا وتمطيطًا مُحَبَّبًا، فيه قَدَرٌ من الحُبِّ والمشاعر، وقَدَرٌ من الملاطفة والممازحة أيضًا، ويريدون بتلك العبارات أنَّ أنوار الأحباب والأصحاب والأخيار تُستشعر من بعيد! ورائحة لطفهم تملأ المكان الذي حَلّوا فيه، فنتحسس مُقامهم بالأرواح والمشاعر قبل اجتماع الأجساد!

لم أكن قبلُ متفاعلًا مع تلك المشاعر بما تَستَحِقُّه؛ عدم القناعة مَرَّةً! وتغافلًا عنها مرّات أخرى! مع أنَّها جَليَّة التحقق! لا تكاد تغيب عن المتبصِّرين المدقِّقين؛ فنُزول المباركين في الديار يمنحها روحًا مختلفة، تجدها في عيون أهلها، وفي بيوتاتهم ومساجدهم وزواياهم، كأنَّها روحٌ تجري مع نسمات الريح، فتصادف أرواحًا مشتاقة فتألفها وتتفاعل معها.

فكيف الحال بنزول العلماء الأبرار، والزهاد الأطهار، والصُّلَحاء والمصلحين، فبركتهم ونور علمهم ونفحات أخلاقهم ونبلهم يغطِّي كلَّ مكان، حتى تأنس بلقياهم الأرواح والأشياء! علمٌ ودعوات، ونصائحُ ومُذَكَّرات، وآفاقٌ فسيحة من جنس هذا تُفتح بمجالستهم والاستماع لحديثهم.

في فتح الباري لابن حجر العسقلاني (ت: 852هـ) تعقيبًا على قصة عتبان بن مالك -رضي الله عنه- حين طلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يأتيه فيصلي في بيته ليتخذه مسجدًا قال ابن حجر: "وفيه –أي: في الخبر من الفوائد- اجتماع أهل المحلة على الإمام أو العالم إذا ورد منزل بعضهم ليستفيدوا منه ويتبركوا به". 1/523.

في الرابع والعشرين من صَفَر للعام الهجري 1447 الموافق للثامن عشر من آب للسنة الميلادية 2025 حَلَّ الشيخ عبدالحكيم الأنيس ضيفًا كريمًا في بيت ابن أخي الدكتور أسامة الحياني، فطاب المكان وامتلأ علمًا وفضلًا من بركة ذلك العَلم الأشم!

والشيخ الأنيس من علماء عصرنا الأفذاذ، مُحَقِّقٌ بارع ومُدَقِّقٌ نابه، مُسنِدٌ أمين، عليه سمتٌ آسر، ويعلوه وقارٌ جذَّاب، سُوريٌّ حلبيُّ المولد والنشأة، عراقيُّ الهوى والمسيرة العلميَّة، لمسة عاجلة على محركات البحث في الشبكة العالمية تروي لك بعض سيرة ومسيرة هذا العَلَم، على صفحات موقع رابطة العلماء السوريين، وموقع دار الفقهاء وغيرها، وللشيخ نشاط علميٌّ مميز يعرفه طلاب العلم على مواقع التواصل الاجتماعي، محاضرات ومقالات وإجازات، نفع الله به الطلاب.

في مجلسه المبارك لا تنقضي العجائب، ولا تنتهي الفوائد والنوادر، يطوف الشيخ بكتب التراجم والسِّيَر فيروي أخبارًا وقصصًا منتقاة، فيها من العِبر ما يُغري، ومن العلوم والمعارف والآداب ما يُثري.

 ثم يَتَجَوَّلُ الشيخ بجلسائه بين كتب التفسير وعلومه، والحديث وعلومه، والعربية والأدب، وكتب الزهد والرقائق ونحوها، فلا يُمَلُّ حديثه، ولا تسأم النفس مجلسه، ثم يستمع الشيخ إلى غيره من الجُلَساء باحتفاء وأدب فريد، ثم يُعَلِّقُ ويُعَقِّب، وينصح ويُرشد، وتلك هي بعض المُثُل التي يستلهمها طلاب العلم من مجالسة العلماء الربانيين. 

روى أبو الحسين بن المنادي بسنده إلى الحسين بن إسماعيل قال: سمعتُ أبي يقول: كنا نجتمع في مجلس الإمام أحمد زُهاء على خمسة آلاف أو يزيدون، أقلّ من خمسمائة يكتبون، والباقي يتعلمون منه حُسنَ الأدب، وحسن السمت. انظر: الآداب الشرعية، لابن مفلح: 2/12.

"وعن إبراهيم النخعي قال : كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سمته وإلى صلاته وإلى حاله، ثم يأخذون عنه، وقد روي هذا المعنى عن جماعة". الآداب الشرعية، لابن مفلح: 1/ 418.

دخلنا برفقة الشيخ المبارك تكية جدِّنا (الشيخ حمد -رحمه الله-) مع العم الدكتور حامد الشيخ حمد، فعُرضتْ بين يدي الشيخ الأنيس مجموعة من المخطوطات الخاصَّة والنادرة، هي ذاتها التي قرأتُها واطَّلعتُ عليها عدَّة مرات، لكن اطلاع أهل العلم مختلف تمامًا، فلمساتهم مختلفة! بأصبعه يتتبع السطور سريعًا سريعًا، فيقف هنا ويقف هناك، فيقول: هذا فلان! وهذا فلان جد بني فلان! وهذا يحتاج تحقيقًا لعله فلان! أو صاحب كذا! ولعل في هذا خطأ! أسماؤهم وألقابهم وكُناهم تشعر بأنه عاش معها طويلًا! حتى حَفِظَ في ذاكرته جملة من الأخبار والآثار عنهم، أمَّا قراءته للمخطوط فعجيبة أيضًا، مع طمس بعض الحروف وخفوت بعضها وتداخل بعضها ببعض، بين الأختام والتوقيعات والرموز، لكنَّ الشيخ يقرأ من كتاب نَيِّر، لا تلكؤ ولا تعثر، وهذه خبرة المحققين الماهرين في هذا الميدان.

في مجلس أُنس! ونور! وروح! وعلمٌ غامر! لا ينقضي خبر حتى يروي لك خبرًا آخر! ثم قصة كتاب! ثم لطائف وفوائد! ثم يستمع ويتفقد أخبار الديار وأهلها ورموزها، فيتشوَّق مصغيًا لسماع أخبار الكِبار الراحلين، من الصُّلحاء والأتقياء من أعلام هذه الديار.

سَلَّم الشيخ مودعًا… فهمس لي! أريد أن أقرأ ما تكتبه! أو قال! سأقرأ قريبًا بإذن الله ما كتبته! فكانت تلك محفزات رائعة لمثلي من أبنائهم وطلابهم. لم ينسَ نتفةً قد سألتُه حولها، وأخبرته أنِّي أكتب فيها وأجمع متفرقاتها، فزادني ذلك حرصًا على متابعة الجهد، والحرص على نشر ما أكتب، لعلِّي أوصله يومًا إلى يديه المباركة، فأحظى بدعوة من تلك القلوب الطاهرة.

في أرض الطارمية شمال بغداد المعمورة، في ربوع منطقة الشيخ حمد، وفي بيوتها وتكيتها العامرة… الشيخ الأنيس مَرَّ من هُنا… وسيَمُرُّ آخرون… فأرضنا –بفضل الله وكرمه- تستمطر الخير… وتألفه… وتبذل الوسع لهطوله….